بقلم الأب يسطس الأورشليمى
إذ أعتقتُم من الخطية صرتُم عبيداً للبرّ، أي خرُوج بالنعمة من حالة العبُودية التي أذلتنا بها الخطية، إلى حالة عبُودية للبرّ يبتهج بها قلبنا بالحُب..
يقول الرسول بولس: أتكلّم إنسانياً من أجل ضعف جسدكُم، فهُو يتكلّم معهُم بكُونه إنساناً يشاركهُم ذات العمل، ولا يتحدث مُتعالياً عن أمر عسير صارم إنما يوصيهُم كإنسان يحمل معهُم ذات طبيعتهُم، وله خبرة عملية لأنه كان قبلاً يستخدم أعضاءه لخدمة الإثم، وقد تحرّرت فصارت أعضاؤه للبرّ..
هنا يقارن بين العبُودية للإثم والعبُودية للبرّ، فيرى الأولى قاسية ونهايتها المُوت، بينما الثانية فعلى العكس فهي تهب تقديساً ونهايتها حياة أبدية، فالأولى تثمر عاراً وموتاً، أما الثانية فتثمر قداسة وحياة أبدية..
الثمر الثاني يحمل الهدف النهائي وهُو الحياة الأبدية، أما الهدف الحالي فهُو القداسة التي هي نقاوة القلب، والتي بدُونها لن ننعم بالحياة الأبدية، وكأن العبُودية للبرّ تسندنا في زماننا الحاضر بثمرها الذي للبرّ حيث تهب القلب نقاوة فيقدر على معاينة الله، وتدخل بنا إلى الحياة الأبدية..
إذن كيف يمكن أن تكُون الحياة الأبدية جزاءً لأعمال صالحة، وفي نفس الوقت هي عطية مجانية للنعمة؟! (مت27:16)..
الأعمال الصالحة التي نجازى عنها بالحياة الأبدية، هي من عمل نعمة الله لأن الرّب قال: بدُوني لا تقدرُون أن تفعلُوا شيئاً، يقُول:
لأنكُم بالنعمة مُخلّصُون بالإيمان، وذلك ليس منكُم، هُو عطية الله ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحنُ عمله مخلُوقين في المسيح يسُوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها، وقد رأى بالطبع أن الناس يمكنهُم أن يفهمُوا من هذه العبارة، أن الأعمال الصالحة ليست هامة لهم، إنما يكفيهُم الإيمان وحده، بينما يرى أولئك المفتخرُون بأعمالهُم كما لو أنهم قادرُون وحدهُم على تنفيذها لهذا وفق بينهم البعض..
وقد قيلت عبارة: ليس من أعمال، عن الأعمال التي تظن أن مصدرها هُو أنت وحدك، لكن لكي تفتكر في الأعمال التي يُشّكلها الله فيك، يقُول: نحنُ عمله مخلوقين في المسيح يسُوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها، راجع الكتاب (أف8:2-10)..
هكذا تُعطى الحياة الأبدية كجزاء لأعمال صالحة، لأن الله هُو الذي يعمل أعمالاً صالحة في أناس صالحين قيل عنهُم: الله هُو العامل فيكُم أن تُريدُوا وأن تعملُوا من أجل المسرّة (في13:2)، الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة، إذ من خلال رحمته تنفذ الأعمال الصالحة التي بها تنال الأكاليل..
الشيطان يحاول أن يخدعنا، ويقُول: حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً، لكن ليس هذا حافزاً لكي نستهتر ونتراخى ونتوانى..
يُوضح لنا هذه النقطة، فهُو لا يقصد عن كثرة الخطية بالنسبة للأفعال التي نعملها، لكنه يتكلّم عن كثرة الخطية التي يكشفها لنا النامُوس في داخلنا، فالنامُوس مثل التحاليل الطبية والأشعة، وكُلما كانت الأشعة أقوى كُلما كشفت عن دقائق وتفاصيل أكثر وأكثر، لم تكن معلُومة من قبل..
النامُوس يكشف لنا كثرة من الخطايا المُوجُودة في داخلنا، ولا يُوجد عند الطبيب حالة ميئُوس منها وغير قابلة للشفاء، بل النعمة تكثر وتفيض، لأن عند السيد الرّب للمُوت مخارج، فماذا نقول؟ أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة ؟! حاشا أي لا يقصد هذا، لأنه يتكلّم عن كشف الخطية التي لا أراها، وهي في داخلي، حيث الفحص الدقيق عن طريق مُحاسبة النفس يُومياً، ومتابعة حالتها من حين إلى آخر..
النامُوس يُوضح ويكشف الحالة السيئة، لكن النعمة مُوجُودة ومتُوفرة بكثرة، لأن عند الله كُل شيء مُستطاع. حيث يقُول الرسُول: نحنُ الذين مُتنا عن الخطية، كيف نعيش بعد فيها؟!
هنا يتكلّم عن الخطية المصنع والمصدر، الذات الأنا ، وليس عن الخطايا، أي المُنتج الفعلي للخطية، ونحنُ نبحث عن مصدر الخطية، حتى نعالج الخطأ، مثال: انفجار أحدى مُواسير المياه في أحد الشوارع، فقبل البدء في إصلاح الماسُورة والكشف عنها، نقفل مصادر المياه أولاً فتتناقص المياه ونبدأ في الإصلاح، هكذا ظهرت الذات الأنا فينا عند التمييز بين الخير والشرّ، كما في حالة آدم وحواء بعد السقُوط، فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان وخجلا من الله، فالنامُوس كشف وفضح الضعف البشري الذي فينا، لذلك يقُول الرّب: اسهرُوا وصلّوا لئلاّ تدخلُوا في تجربة، أما الرُوح فنشيط وأما الجسد فضعيف (مت41:26؛ 1كو24:9-27) ألستُم تعلمُون أن الذين يركضُون في الميدان جميعهُم يركضُون، ولكن واحد يأخذ الجعالة، هكذا أركضُوا لكي تنالُوا، لذلك أقمع جسدي وأستعبده..الخ
لنحذّر من القُول: أنا لا أشعر بالتقدم والنمُو في حياتي الرُوحية سُواء في الصوم، أو الصلاة، أو ممارسة وسائط النعمة...الخ، وكأنك تُقدم تقرير للذات، والإيمان قائم على الثقة في الله وليس في ذاتك، والرّب قال: مَن يُقبل إلىّ لا أخرجه خارجاً (يو37:6)، فتمسك بُوعُود الله، وعليك أن تثق بها وتصدقها، حتى يعمل الله بك، ومعك، وفيك..
لقد مكث لعازر في القبر أربعة أيام، وهو يمثل البشرية الفاسدة التي سقطت في الخطية من آدم حتى مجيء المسيح، أي أربعة آلاف سنة، وأن يوماً واحداً عند الرّب كألف سنة، وألف سنة كيُوم واحد ونحنُ قد دفنا معه بالمعمُودية للمُوت، لأنه لا يمكن أن نعبر إلى طريق الأقداس طالما المسكن الأول (الولادة الأولى) له أقامة، الذي يرمز إلى الوقت الحاضر، حتى كما أقيم بمجد الآب، أي الجسد النُوراني، هكذا نسلك نحنُ أيضاً في جدة الحياة، أي نأخذ الحياة بجدية ونعيش، ونحيا القيامة في حياتنا، ونقُول: أستطيع كُل شيء في المسيح الذي يقُويني (في13:4)..
حقاً في العالم سيكُون لكُم ضيق، ولكن ثقُوا: أنا قد غلبتُ العالم، سيكُون لكُم ضيق (في ذاتكُم)، لكن الغلبة بالمسيح المُنتصر القائم من الأمُوات، وطالما تقمع الجسد وتستعبده، مثل ترُويض الفرس باللجام، لا يصيبك ضررّ، لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه مُوته، نصير أيضاً بقيامته، والرّب يسُوع مات، أما نحنُ فبشبه موته، أي أصدرنا على أنفُسنا حكم المُوت، ونقُول: إننا من أجلك نُمات كُل النهار، قد حسبنا مثل غنم للذبح، ولكننا في هذه جميعاً يعظم انتصارنا بالذي أحبنا.. فنمُوت عن الخطية، ونحيا ونعيش بالمسيح، ونقُول بفرح وتهليل: أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتكِ يا هاوية؟! استيقظ أيها النائم وقم من الأمُوات فيضيء لك المسيح، فانظرُوا كيف تسلكُون بالتدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء، مُفتدين الوقت لأن الأيام شرّيرة..