(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

مُقدّمةٌ
مِن المعروف للكثيرين أنّ القدّيس أَوْغسطينُس الهيبّونيّ (نسبةً إلى مدينة هيبّون، الّتي كان أسقفًا لها) فيلسوفٌ مسيحيٌّ شمال-أفريقيّ؛ وقد نال احترام وإعجاب الفلاسفة على مرّ العصور، بالرّغم من الاختلافات المشروعة في وجهاتِ النّظر حوله. وهو أيضًا مفكّرٌ من طرازٍ فريدٍ قد بَرَعَ في المزج –بقدرةٍ عجيبةٍ– بين الأبعاد الوجوديّة والسّيكولوجيّة والفلسفيّة والثّيولوجيّة والرّوحيّة والصّوفيّة، بالإضافة لكونه كاتبًا غزيرَ الإنتاج المتنوّع والعميق؛ وحتّى الآن لم تُترجَم معظمُ كِتاباته إلى لغتنا العربيّة.

وتحتفل الكنيسةُ الكاثوليكيّة بعِيد نياحته في اليوم الـ28 من أغسطس/آب لكلّ عام. فقد وُلِد في الـ13 من نوفمبر/تشرين الثّاني للعام 354؛ ورحل عن عَالَمنا في الـ28 من أغسطس/آب للعام 430، عن عُمرٍ ناهز الـ76 عامًا. وبعد اهتدائه وتوبته، صار أسقفًا في شمال إفريقيا، حيث قاد مجموعةً من الكنائس في إفريقيا الشّماليّة (في مدينة هيبّون)؛ وكان كاتبًا وفيلسوفًا مسيحيًّا وعَالِم لاهوت. وانخرط في سلسلةٍ من الصّراعات ضدّ هرطقات المانويّين والدّوناتيّين والبيلاجيّين. ولا شكّ أنّه من أعظم مفكّري المسيحيّة في الألفيّة الأُولى، فضلًا على كونه أحدَ أعظم عباقرة البشريّة جمعاء. ويحظى أيضًا باحترامِ العديد من الطّوائف والعائلات المسيحيّة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والأنيغليكانيّة.

وإذ نحن نحتفل في هذا الشّهر الجاري بعِيد نياحته، وعِيد نياحة أُمّه القدّيسة مونيكا أيضًا (في اليوم الـ27 من أغسطس/آب لكلّ عام)، لن أتعرّض، في هذا المقال الموجز، لسرد حياته (فهذا أمرٌ قد يكون معروفًا للجميع)، ولا لتقديم نبذة عن فكره (فرُبّما سأقوم بهذا في المستقبل القريب). ولكنّني أنوي، في هذه المناسبة الأَوْغسطينيّة، عرضَ أمريَيْن، خفيفَيْن وظريفَيْن في آنٍ واحدٍ، متعلّقَيْن بهذه الشّخصيّة الفَذّة: 1) بضعة عِبارات منسُوبة للقدّيس أَوْغسطينُس، ولكنّها في الحقيقة ليست له؛ 2) حُزمة من العِبارات الأَوْغسطينيّة الأصيلة والعميقة.

أوّلًا: عِبارات منسُوبةٌ للقدّيس أَوْغسطينُس، ولكنّها ليست له 
إنّها عِبارات لم يقلها إطلاقًا القدّيس أَوْغسطينُس، ولا يجدها المتخصّصون في أيٍّ من كِتاباته، فهي تُنسَب له عن طريق الخطأ؛ وقد اعتاد بعضُهم ترديدها وكأنّها مأخوذةٌ فعلًا من كِتاباته العديدة، أو سطرّها هو بريشته. فإليكم تعريبٌ لبعض هذه العِبارات المنسُوبة للقدّيس أَوْغسطينُس:

+ «العَالَم كِتابٌ، والذين لا يسافرون فيه هم كمَن يقرأ صفحةً واحدةً منه فقط». 

+ «لا يوجد قدّيسٌ بلا ماض، ولا خاطِئٌ بدون مستقبل». 

+ «مقياس الحُبّ هو أن تحبّ بلا مقياس».

+ «مَن يرتّل يصلّي مرّتَيْن». 

+ «إنّ الحقيقة كأسدٍ، لست بحاجةٍ للدّفاع عنها. فدعها حُرّةً طليقةً، فهي ستدافع عن نفسها». 

+ «[لتكن ثمّة] وحدة في الأمور الضّروريّة، وحرّيّة في الأمور المشكوك فيها، ومحبّة في الأشياء كلّها».

+ «عندما أكون هنا [في ميلانو] لا أصوم يوم السّبت؛ ولكنّني عندما أكون في روما نعم [أصوم]». 

+ «لقد وُلِدنا بين البراز والبول». 

ثانيًا: عِبارات أَوْغسطينيّة أصيلةٌ وعميقةٌ
أُقدّم هنا تعربيًا لحُزمةٍ من العِبارات الأُخرى الّتي سجّلها هذا المفكّرُ الأصيل الثّري، أعني القدّيس أَوْغسطينُس، وتركها إرثًا إنسانيًّا ودينيًّا عميقًا للأجيال المتعاقبة برمّتها، والّتي رُبّما تعود بالفائدة على القارئ الكريم في مسيرته الحياتيّة والفكريّة والرّوحيّة.

+ «يا الله، إنّ الانفصال عنكَ سقوطٌ، والعودة إليك نهوضٌ، والبقاء فيكَ صمودٌ. يا الله، إنّ الابتعاد عنك مَوْتٌ، والاهتداء إليكَ عودةٌ للحياة، والمكوث فيكَ حياةٌ» (مناجأة 1، 1، 3).

+ «إنّه [الله] أمينٌ إذا وَعَدَ، وصالحٌ إذا أتمّ» (عظة 378).

+ «افهم لتؤمن وأؤمن لتفهم. وسأقول لكم في عِبارتَيْن كيف علينا أن نستوعب هذا، دون أدنى نزاعٍ: افهم –كلمتي– لتؤمن؛ وأؤمن –بكلمة الله– لتفهم» (عظة 43، 9). 

+ «إنّ الطّريق للبلوغ إلى الحقيقة [الله] هو: أوّلًا، التّواضع؛ وثانيًا، التّواضع؛ وثالثًا، التّواضع. وكلّما سألتني، سأقول لكَ الشّيء عينه مرارًا وتكرارًا» (رسالة إلى ديوسكوروس، 118، 22).

+ «المعركةُ هي في داخلكم. ولا يوجد أيُّ عدوٍ مخيفٍ خارج عنك؛ فاهزم ذاتك، وسينهزم العالم» (عظة 57، 9).

+ «دعنا نرى، أيّها الرّجل الغني، وتذكّر أيامكَ الأُولى، وانظر ما إذا كنتَ قد جلبت شيئًا إلى العالم. أنتَ لم تضع شيئًا، ولن تأخذ شيئًا؛ فلماذا تتفاخر وتتظاهر أمام الفقير؟» (عظة 61، 9).

+ «الحرّيّةُ الحقيقيّةُ تكمن في الفرح النّاجم عن العمل الحسن» (دفاع، 4، 11، 30).

+ «لقد أُعطِيت لكَ هذه القاعدة الموجزة: أحبّب وافعل ما تريد: إذا صمتَ، فاصمت من أجل الحُبّ؛ وإذا صرختَ، فاصرخ من أجل الحُبّ؛ وإذا قوّمتَ، قوّم من أجل الحُبّ؛ وإذا غفرتَ، فاغفر من أجل الحُبّ. أصلُ المحبّة موجودٌ فيكَ؛ ومن هذا الأصل لا يمكن أن ينبت إلّا الخير» (تفسير لرسالة القدّيس يوحنّا 7، ٨).

+ «لماذا تنظر حولكَ، ولا تدير عينيكَ داخل نفسك؟ صوّب نظرةً فاحصةً على نفسكَ من الدَّاخل، ولا تخرج خارجًا عن ذاتك. وانزل إلى حميميّتك وباطنك» (عظة 145، 3). 

+ «يهدر وقتَه في الكرازة ظاهريًّا بكلمة الله مَن ليس بسامعٍ لها في داخله» (عظة 179، 1).

+ «افعل ما تُؤمَر به، وستنال ما وُعدت به» (عظة 346ث، 2).

+ «وما هو الشّرُّ إن لم يكن غيابَ الخير؟» (دفاع، 4، 5، 11).

+ «هذه هي العلّةُ الأُولى للشّرّ في الخليقة العاقلة: الجهل بما يجب أن يُفعله، والرّغبة في الأمور التي يجب الابتعاد عنها، ممّا ينتج عنهما الخطأ والألم كرفيقَيْن لا ينفصلان» (دفاع، 4، 7، 24).

+ «الخطيئة حلوةٌ، ولكنّ الموت مريرٌ» (عظة 33، 3).

+ «إنّ كُنوز المسيحيّين العُظمَى هي احتياجات الفقراء، هذا إذا فهمنا أين ينبغي أن نحتفظ بما نملكه» (عظة 302، ٨).

+ «لا تحبّ الذّهب. إذا كنتَ أنتَ سيئًا، فستتعقّبه؛ وإذا كنتَ جيّدًا، فسيلاحقكَ هو. وماذا يعني أنّه يلاحقكَ؟ يعني أنّ تتحكّم فيه أنتَ، وليس هو مَن يتحكّم فيكَ، وأن تملكه أنتَ، وليس هو مَن يملككَ» (عظة 311، 9، ٨).

+ «لا أحد يصل إلّا مَن كان على الطّريق؛ ولكن ليس كلّ مَن كان على الطّريق يصل» (عظة 346ب، 2).