كمال زاخر
الإثنين 25 اغسطس 2025
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنجح مقدمة كتاب "الخدمة"، رغم قصرها، في أن تضعك أمام محاوره وهدفه، فهو ليس كتابا تنظيميا يقدم لك هياكل تنظيمية للخدمة، وليس كتاباً تأملياً يستدعي نماذج لخدام تركوا بصمتهم عبر تاريخ الخدمة، ولا هو كتاب تنظيري يغرقك في المثاليات والينبغيات، المفارقة للواقع، فمنذ السطر الأول ينبه القارئ "إلى حقيقة غاية في الأهمية وهي الفرق الكبير بين التعليم بمفهومه الحديث الآن وبين الخدمة في مفهومها المسيحي الأصيل".
ويستطرد مفسراً في سطره الافتتاحي هذا "أما التعليم حتى ولو كان في الأمور الروحية فهو يختص بتهذيب الفكر ليتشبع بأسلوب الإنجيل وتدريب الملكات الإبداعية كالألحان والصلاة، وتكوين الخبرات والمهارات كالكلام والوعظ وتكديس المعلومات سواء في التاريخ أو الطقس أو اللاهوت، وهذا بالتالي ينتهي كله إلى الإعلاء بالشخصية على أساس الكفاءة الذاتية والتفوق على الآخرين في الأمور الروحية"
ويواصل الكاتب "وأما الخدمة فهي تختص النفس وتبكيتها وضبط الغرائز والسيادة عليها لإطلاق الروح من عبودية الأهواء والنزوات والدخول في حالة توبة نشطة دائمة لتقبُّل نعمة الله. وهذا بالتالي ـ والكلام مازال للكاتب ـ ينتهي إلى تنازل عن الذات وتسليم النفس لله وبلوغ حالة من الصدق في السلوك مع الناس والأمانة في العبادة لله في خشوع وتقوى."
ينتهى الكاتب إلى أن "التعليم بمفهومه وواقعه الآن يتمركز حول الذات، وهو ـ بدون الخدمة ـ ينفخ صاحبه حسب اصطلاح الإنجيل (العلم ينفخ لكن المحبة تبني) (1كو1:8)، أما الخدمة فتتمركز حول الروح وهي تملأها خشوعاً وحباً واتضاعاً، لذلك أصبح لزاماً علينا أن نوجه الأنظار إلى ضرورة الخدمة الروحية، وإلا أصبح التعليم المجرد وبالاً على النفس".
تستعرض المقدمة الفوارق بين معلم الدين وخادم الروح، وتنتهي إلى أن خادم الروح ليس مجرد معلم دروس بل بالدرجة الأولى مخَلِّص نفوس، والخدمة همها الأول وشغلها الشاغل توبة الشبان والشابات وسلوكهم سلوك الفضيلة ومخافة الله.
في الجزء الأول يتناول مقياس الخدمة وجوهرها ومؤهلات الخادم وأمراض المخدومين؛ ونخلص منه "أن المحبة هي مقياس الخدمة، وكل مقياس آخر تقاس به خلافها هو مقياس بشري"، ويشير إلى أنه يقوم على المحبة لله ابتداء، والمحبة للمخدوم بصفته ممثلاً للرب يسوع، ثم المحبة للكنيسة جسد المسيح والتفاني في حفظها من الضعف، وينبه أن هذا المقياس يمكن تزييفه؛ بتأثير عوامل كثيرة كالإنتفاع المادي والمعنوي، وأن تكون الخدمة مظهراً أو استعراضاً للتقوى الشخصية، فيحتل البر الذاتي محل المحبة. ويُجمِل أعراض تلف مقياس الخدمة في:
ـ الإهتمام الزائد بنتائج الخدمة: الفرح بالنجاح واليأس من الفشل.
ـ الإهتمام بالخدمة ونظامها والتدقيق في ترتيبها أكثر من النفوس المخدومة، والذي ينتج عنه أخيراً التضحية بالنفوس في سبيل الإحتفاظ برصانة النظام.
ـ عدم نمو المخدومين في المحبة، وتعلقهم بشخص الخادم أكثر من الله.
فيما يتناول الجزء الثاني شخص الخادم؛ البناء والمتاعب واستحقاقات الخدمة عليه، وعثراته وافراحه، وأهمية هذا الجزء أنه يرافق الخادم في يومه وحياته بواقعية تتناول كل ما يواجهه ويعانيه على ارض الواقع؛ قلة الصبر والجزع في الشدائد والفزع من الضرورات والفشل في احتمال الضيقات، والإنهيار تحت الضربات، والراحة في وقت ينبغي فيه التعب، والتحلل من الأصوام، وعدم اتساع القلب والإفتقار لطول الأناة، وانعدام اللطف، والرياء في المحبة، وعثرة الكلام المنافي للحق.
يضعنا الكاتب في هذا الجزء أمام واحدة من أخطر ما يواجه منظومة الخدمة، وتعاني منه كنيسة اليوم، رغم أن تحذيره هنا أطلقه قبل أكثر من نصف قرن (1971) لكن كثيرين لم يلتفتوا إليه، ففي تناوله لـ "بناء الخادم"، يرى أن للخدمة دعوتان "دعوة للرهبنة ودعوة للكهنوت والخدمة"، ولكل منهما منهجه في الحياة والسلوك والصلاة، ويبين الفرق بينهماكن كثيرين لم يلتفتوا إليه.
فبحسب الكاتب فإن "المدعو للرهبنة عليه أن يبني قلبه وفكره وكل حياته على سيرة الآباء القديسين، واضعاً أمام عينيه باستمرار وصيتهم الأولى والعظمى أن يبتعد عن العالم والئاس والرئاسات، وأن لا تستهويه الخدمة بين الناس مهما كانت الإلحاحات، وإلا سيجد نفسه في النهاية راهباً بلا رهبنة يعيش تحت إسمها ولا يحمل نيرها، يتكلم باسمها وهو غريب عن دعوتها".
فيما يقرر الكاتب أن "المدعو للكهنوت والخدمة بين الناس يبني قلبه وفكره وكل حياته على سيرة الرسل القديسين، واضعاً أمام عينيه باستمرار سيرتهم في الجهاد المتواصل لخدمة المؤمنين ليلاً ونهاراً، في وقت مناسب وغير مناسب، وما يلزم ذلك من قطع المشيئة والتنازل الكامل عن كل الحقوق الشخصية، والأمنيات، والأحلام التي تتعارض مع جهاد الخدمة، حتى ما بدا منها صالحاً في حد ذاته، كالاستغراق في الوحدة والبعد عن الناس والعزوف عن الكلام، إلا إذا كان بالقدر الذي يزيد الخدمة قوة ونجاحاً، أي أن يكون ذلك لا بدافع مجرد استرضاء النفس، بل لإصلاح عجزها وبالنهاية لزيادة كفاءتها للخدمة.
يعود الكاتب لينبه أنه كما يحارب الراهب بحب الخدمة، يحارب الكاهن والخادم بحب الوحدة، وكلاهما هروب من الواقع، ويربط ذلك بنوع القراءة والتأمل والدراسة التي ينشغل بها اصحاب الدعوتين، فهي إما تزيد الإنسان تمسكاً بدعوته وإما تتسبب في خلخلتها واضعافها لتنتهي إلى الاستهانة بواجباتها.
يُفَصِّل الكاتب ما أوجزه، فينبه الراهب الذي "يهمل القراءة في سير الآباء ووصاياهم، وينشغل (فقط) بدراسة الإنجيل وحفظ الآيات، سيبتدئ روحه في الفتور من جهة دعوته ووحدته، ثم تُشاغله أحلام اليقظة بالخدمة، فيتصور نفسه واعظاً ومخلصاً للناس. وقليلاً قليلاً لا يعود يطيق ديره أو وحدته، ويخترع لنفسه المعاذير للنزول إلى العالم، أو يخترع له اللاشعور من الأمراض والتخاويف ما يقنعه للإسراع في النزول تاركاً دعوته وراء ظهره."
وبالتوازي ينبه الكاتب كل من الكاهن أو الخادم "الذي كرس حياته لخدمة الإنجيل، إن هو أهمل التأدب بكلمة الإنجيل ولم يجلس لها كل يوم ساهراً فاتحاً كل قلبه وذهنه لإرشادها وتعليمها، وانشغل عنها (أكثر من اللازم) بأخبار المتوحدين والرهبان ومعجزاتهم ووحدتهم وهدوئهم، فإنه إزاء تعب الخدمة وشقائها يبتدئ يشتهي حياة المتوحدين فيبتدئ يتغنى بدعوتهم وسيرتهم ويغبط سلوكهم وحكمتهم، وقليلاً قليلاً تغمره موجات يائسة من حياة الخدمة ثم يبتدئ يشك في دعوته كأنها غير مناسبة له، أو كأن الله ظلمه بهذا النير الثقيل لأنه مخلوق ليكون راهباً ـ كما يصور له اللاشعور ـ فينطلق لسانه بالتذمر وتبتدئ رجلاه تسرعان إلى الأديرة فيزداد تمزقه وتزداد حيرته، وكل مرة يرجع فيها من الدير يتصور الخدمة أنها فخ سقط فيه أو سجن وشقاء، والسبب أنه ابتدأ يبني برج حياته وفضائله وتقواه ليطل على الصحراء، واحتفظ بظهره للكنيسة المسكينة!!."
لكن الكاتب يعود ليوضح أن كلامه هذا "ليس معناه أن لا يتثقف الراهب بكلمة الإنجيل كل يوم وبكل عمق وإخلاص، ولا أن يمتنع الكاهن وخادم الإنجيل أن يتربى عند اقدام الآباء وتعاليمهم وعفتهم وزهدهم، ولكن على الراهب أن يجعل الكلمة نوراً للسيرة الرهبانية الزاهدة المتعففة؛ وعلى الكاهن والخادم أن يجعل من سيرة الآباء وزهدهم برهاناً لصدق الكلمة التى يخدمها ويبشر بها، ومشجعاً له وللذين يجاهدون معه للشهادة وسط العالم ضد العالم."
اروم أن يتفهم قارئي العزيز أنني اسهبت فى نقل نص ما قاله الكاتب في هذه الجزئية، لاعتقادي أنها واحدة من اكثر الأمور شيوعاً وفيها سر اختلال الخدمة هنا وارتباك الأديرة هناك.
ويأتي الجزء الثالث، محتشداً بالخبرات في دوائر اعداد الخادم؛ كنسياً ونفسياً وروحياً، ثم يتناول ديمومة البناء الروحي للخادم، سواء الأخلاقي أو العقائدي أو الاختباري. ونحتاج أن نعود إليه لاحقاً.
ربما ـ في تقديري ـ احسب أن هذا الكتاب أحد الكتب المؤسسة لفكر واع للخدمة، لعله يجد مكانه في حوارات الكنيسة وسعيها لإعادة فحص واقعها وفي مسار تحقيق دعوتها ورسالتها.