أحمد الخميسي
يسعى العديد من الأدباء إلى معالجة الموضوع الجنسي في رواياتهم، ليضمنوا الرواج والانتشار، ويقولون إنهم بذلك يكسرون الحاجز الذي يمنع الاقتراب من الموضوع الجنسي أو الحديث عنه.
وبعبارة أخرى يحطمون " تابو" المحرمات الجنسية. وفي ذلك السياق صدرت في مصر الرواية الرديئة " إنى أحدثك " لمنى البرنس عام2008، ورواية تغريد إحسان " لعنة الرغبة " في 2017، و" رسائل الجنة " لأحمد سمير في عام 2023، ورافقت تلك الأعمال روايات أخرى مشابهة في سوريا مثل رواية أمل الجراح " الرواية الملعونة" عن فتاة تقع في حب والدها، ورواية فضيلة الفاروق الجزائرية " اكتشاف الشهوة" وما شابه.
وتتخذ معظم تلك الروايات عناوين صارخة لها، وتحفل- لمراعاة شروط السوق والرواج السريع- بأوصاف مفصلة لأوضاع حسية وألفاظ خشنة. والخدعة الأولى في موضوع " تحطيم التابو" تكمن في أن الفن لم يحرم قط معالجة أي موضوع، ولم يعترف بالمحظورات، وهكذا برز الموضوع الجنسي في " طوق الحمامة " لابن حزم منذ أكثر من ألف عام، وفي كتاب " نزهة الخواطر"، وكتاب " الروض العاطر"، و" الأغاني "، وألف ليلة وليلة، وغيرها.
وامتلأت أول رواية في تاريخ الأدب العالمي وهي" الجحش الذهبي" بكل الأوضاع الجنسية وشتى دروبها. وإذن فإن التابو الذي يدعون هدمه محطم في واقع الأمر منذ نشأة الأدب. يبقى أن معظم تلك الروايات تعطي للجانب الجنسي وحده الصدارة ، تختزل الانسان في حدود الغريزة الجنسية، بمعزل عن الجوانب الأخرى التي تشكل الشخصية الانسانية. ولتوضيح ذلك سأضرب مثالا من رواية" أنطونيو جالا "الكاتب الإسباني " الوله التركي" وفيها يقول الكاتب على لسان بطلته : " آه لو استطعت أن أجعل من القلب والرأس جنسا "!. هكذا نجد أنفسنا تماما أمام فكرة أن الجنس هو كل شيء، وتؤكد بطلة الرواية ذلك المعنى بقولها: " إن للجسد ذاكرة أفضل بكثير من الروح".
وفي رواية " ماريو بارجاس يوسا " المسماة " دفاتر دون ريجو بيرتو" يقول الكاتب على لسان البطل: " إن الحرية لا تصل إلي مغزاها الكبيرإلا في مجال الفرد، في موطنها الدافئ الذي تجسدينه بعضوك وأجسده أنا بقضيبي" ! وليس عيب تلك الروايات إذن أنها تتناول الموضوع الجنسي، لكن يعيبها قصور الرؤية وتعظيم دور الجنس على حساب العوامل الأخرى مما يشوه الحقيقة الانسانية.
ويضع ألدوس هكسلي في روايته" بعد عدة أصياف" القضية بشكل صحيح حين يقول : " إن ما هو عضوي يجعل العملية الجنسية فقط ممكنة، أما الباقي كله فإنه يأخذ مكانه على مستوى الوعي حيث توجد الكلمات وأينما وجدت الكلمات ستظل توجد الذكريات والآمال والأحلام والخيالات". وتؤكد ذلك المعنى الكاتبة الأمريكية آليس إليوت دارك على لسان بطلة قصتها " الغسق" (عام 1994) :" أعتقد أن أولئك الكتاب يسعون للفت الانتباه فقط عندما يصفون مشهدا جنسيا، إلا أنهم لا يصفون الجنس الحقيقي، هم فقط يريدون أن يثبتوا للناس أنهم لا يهابون الكتابة في ذلك، لكني لا أظن أن الجنس يمكن أن يوصف، إلا إذا كنت تريد أن تصف الجانب التقني منه فحسب، فالجنس الوحيد القابل للوصف هو الجنس الرديء".
ولذلك فإن تلك الروايات سرعان ما تختفي، ويزول أثرها ، مثل فقاعة صابون، بينما يبقى موضوع الجنس بالمعالجة التي قدمها أدباء مثل نجيب محفوظ، وضعوا الجنس بصفته عنصرا مرتبطا بالمكونات الأخرى في الشخصية الانسانية.
نقلا عن الدستور