أحمد الخميسي
" أنتم تكتبون بالحبر، أما أنا فأكتب بالدم ". كانت هذه صيحة الكاتب الروسي أندريه بلاتونوف في وجه أحد أدباء السلطة السوفيتية، بعد أن عانى الكاتب العظيم طويلا من اضطهاد السلطات ومصادرة أعماله ومخطوطاته الأدبية خلال تفتيش منزله ثم منع نشر أي عمل له الا بعد عشرات الأعوام، ورغم ذلك كله تشبث بلاتونوف ( 1899- 1951) بالأدب والتعبير الفني بدم القلب وليس بحبر المطابع.
ترى ما الذي يجعل الأدب، أو الفن عامة، قضية حياة أو موت؟ يضحى إنسان ما في سبيلها براحته، بل ويعرض نفسه للاعتقال والحبس وقطع الأرزاق؟ يوسف إدريس أيضا تعرض للاعتقال عدة مرات في فترات مختلفة من حياته ولم يهجر الأدب الذي زج به إلى الزنزانة. ما السر وراء تعلق الفنان بفنه حتى لو خسر الكثير من راحة البال والأمن وعاش مطاردا؟. لابد أن يكون الدافع إلى التعبير " بالدم وليس بالحبر" قويا بل جبارا في نفس المبدع، بحيث يصبح الفن معادلا للوجود الملموس وحياة الفنان.
وفي المقابل يحفل تاريخ الأدب بمن انكسروا في منتصف الطريق وأشهرهم الشاعر آرثر رامبو الذي هجر الشعر نهائيا وهو في العشرين بعد أن جمع آخر قصائده في ديوان " إضاءات" ثم اتجه إلى التجارة وبيع السلاح والقهوة في أفريقيا.
هناك من ساقتهم الظروف إلى تعديل مسارهم مثل الروائي الكبير فرانسيس سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية " جاتسبي العظيم" الذي اتجه إلى كتابة سيناريوهات الأفلام في هوليود لأسباب مادية، بينما تعرض الكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين للسجن ثماني سنوات بعد أن بعث برسائل خاصة لأحد أصدقائه تضمنت انتقادات حادة للطريقة التي أدار بها ستالين الحرب، فاتهم بنشر دعاية معادية للنظام وتأسيس منظمة معادية وفي 7 يوليو عام 1945حكم عليه بثماني سنوات في أتعس معسكرات للعمل الشاق، ثم طرد من الاتحاد السوفيتي عام 1974، لكنه لم يتوقف واستمر حتى فاز بجائزة نوبل. ما الذي لا ينطفئء في المبدع بحيث يتمسك بالتعبير؟ .
البعض يعدلون مسارهم، البعض يهجر الأدب، لكن قلما نرى من يلعن الطريق التي بدأ السير عليها، ظهر ذلك في حالات نادرة منها الفنان حسين صدقي الذي بدأ حياته الفنية عام 1937 بفيلم " تيتاوونج"، ثم أسس شركته لإنتاج الأفلام، وبلغ رصيده من الأفلام عشرين فيلما، وقبل أن يتوفاه الله في 1976، أوصى أولاده بحرق كل أفلامه"، لأنه اعتقد أنها لم تكن على صلة وثيقة بالدين. لكن حالة حسين صدقي من الحالات النادرة التي يكفر فيها الفنان بالفن، بينما يكتفي المتراجعون عادة بتبرير نكوصهم مثلما فعلت المطربة الممثلة شريفة ماهر التي اعتزلت الفن واتجهت إلى المشاريع التجارية وقالت ان الفن:" ما بيوكلش عيش".
ويبقى السؤال ما الذي يناله المبدع من عكوفه على الفن بحيث يحتمل في سبيله كل المعاناة ؟ لابد أن يكون هناك شيء يمنح الفنان عندما يبدع سعادة أكبر من كل شيء، لكن ذلك لا يحدث إلا عندما تكون الكتابة والابداع:"بالدم.. وليس بالحبر".
***