أحمد الخميسي 
الذكاء الاصطناعي قفزة علمية هائلة لخلق أنظمة تحاكي الذكاء البشري، لكن أنظمة ذلك الذكاء تقع تحت سيطرة الدول الرأسمالية الكبرى وتخدم – ضمن ما تخدم - أهدافها في جمع المعلومات، والتسويق، وتوجيه الرأي العام، وتشكيل الوعي. وقد سألت الذكاء الاصطناعي مباشرة : هل يقوم بجمع معلومات عن الأفراد في منصات التواصل وتصنيفهم سياسيا؟ فأجابني بالنص:" نعم يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لمعرفة الميول السياسية للأفراد".

وقد يكون الذكاء الاصطناعي محايدا فقط إذا سألته عن فوائد فيتامين سي، أو أهمية رياضة المشي، لكن إذا حدث وعارضته في منصات التواصل فإنه ببساطة يقوم بحظرك ومنعك من ابداء رأيك نهائيا، ويذكر الجميع على سبيل المثال كيف كان فيس بوك يحجب حسابات كل من ينشر صورة حسن نصر الله بعد استشهاده، ومن ثم يبدأ الجميع في التعبير عن آرائهم بحذر وخوف.

وفي مقال له بالمصري اليوم يكتب د. مصطفى حجازي أنه سأل التطبيقات الأربعة للذكاء عن حال مصر الآن لو لم تقع ثورة يوليو 1952؟ فأجمعت التطبيقات الأربعة في إجاباتها على أن الثورة حالت دون مصر والتنوع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وعاقت التراكم الثقافي والنهضة التعليمية، وأن: " مصر دفعت ثمنا غاليا نتيجة القطع القسري لمسارها الطبيعي".

أي أن ثورة يوليو أوقفت مسيرة التطور المصري قسرا. ولا يشير الذكاء إلى أن الجندي المصري قبل الثورة كان بعد انهاء فترة خدمته في الجيش يسلم حذاءه إلى الجيش لأنه عهدة ويرجع إلى قريته كما جاء حافيا، حسب ما كتب المؤرخ الكبير يونان لبيب رزق في الأهرام. وخلافا لموقف الذكاء المحدد من ثورة يوليو، فإنني عندما سألته عما إن كانت إسرائيل دولة إرهابية أم لا؟

أجابني بأن سؤالي سؤال أخلاقي وسياسي وأن الآراء في ذلك الأمر تتعدد وتختلف! وعلى الرغم من الامكانيات غير المحدودة للذكاء الاصطناعي إلا أنه يستخدم لتشكيل الوعي العام في اتجاه القبول بالرأسمالية، وقيمها، وتطويع الفكر والثقافة لمبادئ السوق. ولا أنكر امكانيات الذكاء الاصطناعي المذهلة، فقد طالبته مرة بكتابة قصة حددت له موضوعها، فكتبها أحسن ما تكون، ويمكنك أن تطالبه بأي شيء، بإعداد فيلم، أو مقال، أو بحث، وستجده رهن اشارتك. ورغم ذلك الجبروت كله فإن الذكاء الاصطناعي يقف مكتوف اليدين عاجزا أمام الطابع الفردي للفن والابداع.

بوسع الذكاء الاصطناعي أن يكتب لك قصة مأخوذة من مجموع ما لديه من قصص، تشبه اللوحات التي يقلد فيها الرسامون لوحات عظيمة، لكن الذكاء الاصطناعي لن يستطيع أبدا ومهما كان جبروته أن يصف خفق قلبك أنت وأنت تعبر الشارع في المساء وتلقي نظرة على منزل الحبيبة، لأن تلك تجربة خاصة بك وحدك، ولأن ذلك شعور خاص بك وحدك، ولا يتكرر، وأنت فقط من يمكنه وصف ذلك في عمل أدبي. لن يستطيع الذكاء الاصطناعي مهما حاول أن يصف مشاعرك وأنت تستقبل خبر ولادة طفلك الأول بينما أنت وراء القضبان. هذه تجربة خاصة ، فردية، لا تصل إليها الأنظمة العلمية.

يقف الذكاء الاصطناعي عاجزا تماما أمام الطابع الفردي للفن والابداع، وأيضا يقف عاجزا تماما عندما يتعلق الأمر بوجهة النظر التي ينطوي عليها إما المقال أو القصة أو الدراسة، إنه لا يستطيع أن يعبر عن وجهة نظرك، لأنه لا يعرفها، ومن ثم يبقى عاجزا او يلجأ كالعادة إلى وجهات النظر التي تخدم سياسة تلك المنظومة العلمية بما يتفق ونشر القيم الاستهلاكية والتصالح مع ثقافة الاستغلال والنهب وتشويه ثورات الشعوب والالتفاف حول الحقيقة.      
***
نقلا عن الدستور