بقلم الأب يسطس الأورشليمى
تحدث بولس الرسُول عن فيض النعمة، نعمة الله المجانية التي لا تقف عند غسلنا من الخطية ومحُو آثارها، أي المُوت إنما تفيض فينا بغنى عطايا إلهية بلا حصر، إذ تهبنا برّ الله وتُقدم لنا الحياة الأبدية بشركة أمجاد وميراث سماوي فائق، وبهذا أكدّ التزامنا ونحنُ نتمسك بالنعمة أن نحيا ونعيش، كما يليق بمن نالها مُقدسين في الرّب، والرسُول يُؤكد بُوضُوح مبرزاً بنُوتنا لله التي ننالها خلال نعمة المعمُودية..
إن كان الله بكثرة رحمته أفاض بنعمته علينا لينزع عنا كُل أثر للخطية فتمجد فينا نحنُ الخطاة، هذا لا يدفعنا للاستهتار والتهاون بالخطية، إنما يليق بنا أن نتركها سالكين كما يليق كأولاد لله نلنا بنعمته البنُوة له، وهكذا يضع أمامنا المعمُودية، لنُدرك النعمة فنحيا في جدة الحياة وهُو عمل الكنيسة تجاه المُؤمنين، كأم حنُون على أولادها، تأكيد نعمة الله المجانية كباعث للجهاد بلا انقطاع، وتذكير الكُل بمركزهُم الجديد خلال مياه المعمُودية، ليعيشُوا كُل زمان غربتهُم سالكين بقُوة القيامة كأولاد الله..
أن المعمُودية المُقدسة قد أماتت الخطية فينا، ولكي تظل الخطية ميتة، يليق بنا أن نجاهد بلا انقطاع، فلا نطيع الخطية، بل نقف أمامها صامدين مُجاهدين، لكن ماذا يعنى: اعتمادنا لمُوته؟!
يقصد مُوتنا نحنُ كما مات المسيح، فالمعمُودية هي الصليب، وما كان الصليب والدفن بالنسبة للمسيح تكُون المعمُودية بالنسبة لنا، ولُو أن التطابق ليس تماماً، لأنه مات ودفن بالجسد، أما نحنُ فنُمارس المُوت والدفن بالنسبة للخطية، وقال: مُتحدين معه بشبه مُوته، لأن المسيح مات بالجسد، أما نحنُ فنمُوت عن الخطية التي فينا، لندفن معه بالمعمُودية لنقُوم معه لننزل معه، لكي نرتفع ونصعد معه ونتمجد أيضاً معه..
يربط بين الصلب، والدفن، والقيامة، وبين المُوت مع المسيح والحياة معه بقُوة قيامته، فإن كانت المعمُودية هي دفن، فهي في نفس الوقت قيامة، بهذا نفهم طريق المسيح، كطريق كرب وفي نفس الوقت طريق مُبهج، لأنه طريق الألم مع المسيح والقيامة معه، وإن تمتعنا بقيامته ليس أمراً مستقبلياً فحسب، إنما هي حياة حاضرة نعيشها في حياتنا اليُومية عندما يصير الزاني عفيفاً، والطمّاع رحُوماً، والعنيف مُطيعاً، بهذا تكُون القيامة عاملة هُنا كعربُون للقيامة الأخرى، فكيف يُحسب هذا قيامة؟!
لأن الخطية تمُوت والبرّ يقُوم، الإنسان القديم ينتهي والجديد الملائكي يعيش فإن كان المسيح يهبنا أن نمُوت معه في المعمُودية، إنما ليُقدم لنا إمكانية السلُوك هكذا والجهاد كُل أيام غربتنا بلا تُوقف، حتى لا نفقد نعمة المعمُودية وثمرها فينا، فدفن خطايانا السابقة هبة منه، لكن أن نبقى أمُواتاً عن الخطية بعد المعمُودية، فيلزم أن يكُون مُوضع شغفنا..
إن كنا قد زرعنا معه، فبإشارته للزرع هُنا يلمح إلى الثمر الذي ينتج عنه، فكما أن جسد المسيح بدفنه في الأرض، قدم لنا ثمر الخلاص للعالم، هكذا نحنُ أيضاً إذ ندفن في المعمُودية نحمل ثمر البرّ، والتقديس، والتبني، وبركات كثيرة بلا حصر، كما نحمل عطية القيامة..
غاية وهدف المعمُودية أننا إذ نُصلب مع المسيح، ننعم بالحياة المُقامة الجديدة، فنعيش هُنا بفكر سماوي، متمتعين بعربُون الميراث الأبدي، ويتقبل المعمدُون الميراث، لذا فهم ورثة الله ووارثُون مع المسيح (رو17:8) ورثة الله لأن نعمة المسيح تُوهب لهُم، وورثة مع المسيح لأنهُم يتجدّدُون بحياته فيهُم، وهُم أيضاً ورثة المسيح، إذ وهبهُم الميراث بمُوته..
يُؤكد أن: الدعُوة للمُوت مع المسيح لا تعني تحطيم كيان الجسد بل تقديسه، فهُو يتحدث عن: أن الجهاد بعد المعمُودية خلال عمل النعمة فينا، يُؤكد أن الدعُوة هي: دعُوة إيجابية للربح، فالمُوت هُو ربح إذ فيه تمتع بالمعية مع المسيح المصلُوب القائم من الأمُوات، القادر على تحطيم أعضاء الجسم كآلات إثم للخطية، وإنما يُقيمها آلات برّ لله..
والعجيب قبل أن يُطالبنا بتقديم أعضاءنا آلات برّ لله، يُطالبنا بتقديم ذُواتنا لله كأحياء من الأمُوات، بمعنى أنه لن تتقدس أعضاؤنا الجسدية ما لم يتقدس كياننا ككُل، ونقبل القيامة عاملة في نفُوسنا كما في فكرنا وجسدنا، الأعضاء التي تخدم الخطية يُريدنا الله أن نستخدمها للطاعة للبرّ، فنثمر للحياة، فتكُون النفس كالمرأة التي وجدت الدرهُم المفقُود، فدعت جيرانها ليفرحُوا معها، ويشاركُونها بهجتها بالدرهُم المفقُود..
فإن الخطية لن تسُودكُم، لأنكُم لستُم تحت النامُوس بل تحت النعمة يختم حديثه عن عمل المعمُودية الملتحم بالجهاد الرُوحي، مُؤكداً الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال النعمة العاملة فينا في المعمُودية، كما في جهادنا اليُومي، هذه الإمكانيات الواهبة للغلبة..
بعد أن ركز أنظارنا نحُو المعمُودية كأبناء لله نُمارس هذه البنُوة خلال مُوتنا مع المسيح، وحياتنا معه كُل أيام غربتنا، أراد أن يصحّح مفهُوماً خاطئاً استقر في ذهن اليهُود ألا وهُو أنهُم أحرار لمُجرد انتسابهُم لإبراهيم جسدياً، الأمر الذي وضح في حوارهُم مع المسيح حين أعلن لهُم قائلاً: إنكُم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكُونُون تلاميذي، وتعرفُون الحقّ والحقّ يُحرّركُم، أجابُوه: إننا ذُرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقُول أنت إنكُم تصيرُون أحراراً؟! أجابهُم يسُوع: الحقّ الحقّ أقُول لكُم: إن كُل مَن يعمل الخطية هُو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرّركم الابن فبالحقيقة تكُونُون أحراراً..





