أحمد الخميسي
اللعب جزء من صميم تكوين الانسان، مع أنه لا يشكل لدي الانسان حاجة بيولوجية ضرورية مثل حاجته إلى الطعام أو الشراب.
 
وقد تعددت محاولات تفسير دوافع الانسان إلى اللعب.
 
وقيل إن الألعاب البدنية مثل المصارعة وكرة القدم وغيرها تصريف للطاقة الزائدة، أو هي تجديد للطاقة، إلا أن البعض يشيرون إلى دوافع أعمق، فعندما يلهو الانسان بالماء فإنه بدون وعي يحاول استعادة حياته الأولى عندما كانت الكائنات تعيش في المياه، وعندما يتسلق الجبال يستعيد حياة أسلافه المتسلقين القدامى. هذا عن الألعاب البدنية، لكن ماذا عن الألعاب الذهنية التي لا تهدف إلى أغراض ذات قيمة محددة ؟ ولنقل ماذا عن اللعب بالكلمات؟ وبعبارة أخرى ماذا عن " الألعاب الذهنية " ؟ وهو دفتر كبير مفتوح في ثقافات مختلف الشعوب.
 
عندنا يتجلى ذلك اللعب في حصر كلمات يمكن قراءتها من الناحيتين، مثل كلمة: " توت"، و" كعك " و" نحن" وغير ذلك, أو جملة تقرأها من الناحيتين فتجدها بنفس المعنى مثل : " حوت فمه مفتوح"، ومثلها " كل في فلك".
 
والشعر العربي حافل بنماذج اللعب بالكلمات مثل قول الشاعر اسماعيل صبري: " طرقت الباب حتى كلمتني، فلما كل متني كل متني "، والكلمة الأخيرة تعني عضلة الذراع، بينما تعني ما قبلها أن الحبيبة كلمته. وهناك القصيدة التي كتبها بديع خيري لسيد درويش في مدح الخديو عباس وكان أول كل حرف في كل بيت يشير إلى اسم عباس: " عواطفك ( عين عباس )، بس اشمعنى( باء عباس)، أنت اللطف( ألف عباس) ، سيد الكل ( سين عباس). ويحفل الشعر الشعبي المصري بنماذج عديدة من اللعب بالكلمات خاصة لدي مدرسة الشعر الحلمنتيشي ورائدها حسين شفيق المصري، وسنجد ذلك في المواويل عند كبارها مثل محمد طه حين يقول : " أبويا نصحني وقال لي امشي على قدك .. وفصل الثوب يكون مسبوك على قدك"، وهنا كلمة قدك الأولى تعنى حسب قدراتك، وقدك الثانية تعني جسمك أو طولك.
 
وهناك سجال معروف فى ذلك المجال حين قال حافظ ابراهيم للشاعر أحمد شوقي مداعبا : "  يقولون ان الشوق نار ولوعة.. فما بال شوقي اليوم باردا؟" ورد عليه امير الشعراء على الفور : " أودعت إنسانا وكلبا أمانة.. فخانها الانسان والكلب حافظ" !
 
 وهناك في اللعب بالكلمات ما يعتمد فقط على متعة الايقاع المتكرر حتى لو كان بدون معنى مثل أغنية الأطفال : " طلعت أدب نزلت أدب لقيت الدب يقزقز لب "، حيث تصبح الموسيقا هي الهدف الأول. وهناك لعب يعتمد على انشاء أبيات شعرية كل حروفها من دون نقطة واحدة مثل : " الحمد لله الصمد، حال السرور والكمد ".
 
وتعتمد معظم أنواع اللعب بالكلمات على التورية والجناس، كما أنها كلها تدخل في باب الألعاب الذهنية، التي لا ترمي إلى فائدة عملية، ومن ثم يبقى السؤال : لماذا مارس الانسان ويمارس إلى يومنا اللعب بالكلمات؟ أعتقد أن هناك سببا واحدا هو أن تلك الألعاب الذهنية ممارسة للخيال، وتنشيط له، وتجديد لقدرة الانسان على الابتكار، ومن هنا فإن ثمت صلة وثيقة بين جذور اللعب، وحاجة الانسان إليه، وبين جذور الابداع الفني وحاجة الانسان إليه.
 
ممارسة الخيال، والخلق، والابداع، الذي يعيد تشكيل العالم بطريقة اخرى، طريقة تبدو مرة شديدة الجدية كما في الأعمال الأدبية العظيمة، وتبدو مرة أخرى - كما في النماذج السابقة- لاهية عابثة لمجرد ممارسة الخيال كما في النماذج السابقة، ذلك أن الانسان يظل بحاجة إلى التخيل، ليتجاوز ما حوله من عالم واقعي محكوم بشروط محددة.