بقلم الأب يسطس الأورشليمى
تسميته بالكتاب المُقدس ليست من وضع بشر، بل هي تسمية الروح القدس كاتب الكتاب، إنجيل الله الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكُتب المُقدّسة، وأنك منذ الطفولية تعرف الكُتب المُقدسة (2تي15:3؛ رو2:1) فهو كتاب الله من أوله إلى آخره، وكل الذين كرّسوا جُهودهم لمقاومته والنيل منه، إما أنه جذبهم بشباكه، وإما حطمهم لغرورهم..
الكتاب المُقدس عهدان: العهد القديم والعهد الجديد، وكلمة عهد معناها ميثاق بين الله والناس، وقد سميا عهداً لأن كلا منهما خُتم بالدم، فالعهد القديم بدم الذبائح الحيوانية، والعهد الجديد خُتم بدم الرب يسوع المسيح..
استغرقت كتابة الكتاب نحو 1600 سنة، من سفر التكوين لموسى النبيّ 1500 ق.م، إلى سفر الرؤيا ليوحنا الحبيب عام 100 ب.م، ويبدأ ببداية الخليقة وطرد آدم من جنة عدن، وينتهي بسفر الرؤيا وعودة الإنسان إلى الفردوس، فإن كان السفر الأول ينتهي بحادثة مُؤلمة، وهي طرد الإنسان العاصي، فالسفر الأخير ينتهي بنهاية سعيدة بعودة الإنسان..
كلمة سفر، أي كتاب والعهد القديم يضُم 39 سفراً، بينما العهد الجديد فيضُم 27سفراً، وبذلك يكون المجموع 66سفراً، أما بين العهدين فتوجد مجموعة من الأسفار لم يتم ترجمتها وهي سبعة: طوبيا، يهوديت، الحكمة حكمة يشُوع ابن سيراخ، مكابين الأول والثاني، مع تكملة لسفري أستير ودانيال، وتُقسم أسفار العهد القديم هكذا لسهولة الحفظ وهم:
(12،5،5،12،5) على أصابع اليد الواحدة، وهم: أسفار موسى 5 وأسفار تاريخية 12، وأسفار شعرية 5، أنبياء كبار 5، أنبياء صغار 12
وتُقسم أسفار العهد الجديد هكذا لسهولة الحفظ وهم:
(1،7،14،1،4) على أصابع اليد الواحدة، وهم: البشائر 4، سفر أعمال الرسل 1، رسائل بولس الرسول 14، رسائل: يعقوب 1، بطرس 2، ويوحنا 3، ويهوذا 1، أي 7 رسائل، سفر الرؤيا 1
سؤال: ماذا يحوي الكتاب المُقدس ؟
عبارة عن رسالة من الله الخالق إلى الإنسان المخلُوق الساقط، وهذه الرسالة تُختصر في ثلاثة أبعاد مكُونة من الآتي:
أولاً: عهُود الله مع الإنسان..
ثانياً: رمُوز السمويات على الأرض..
ثالثاً: نبُوات عن المسيا المنتظر ومجيئه..
ونلاحظ أن: العهد القديم عند اليهود يضُم 22 سفراً فقط بعدد الحروف الأبجدية العبرية، وقاموا بضم بعض الأسفار في سفر واحد..
سؤال: كيف تفهم الكتاب المُقدس ؟
ظهرت مدارس عديدة لدراسة وفهم الكتاب أهمها:
أولاً: مدرسة الإسكندرية، وهي مدرسة رمزية روحية..
ثانياً: مدرسة انطاكيا، وهي مدرسة حرفية نصية، فمثلاً مثل الزارع في الكتاب تراه مدرسة الإسكندرية، يرمز للأرض بقلب الإنسان، فيوجد قلب مثل الطريق، وقلب مثل الحجر، وآخر مثل الشوك، أما مدرسة انطاكيا فتهتم بالنص فقط كما هو مذكور في الكتاب، فهل نتبع مدرسة الحرف أم مدرسة الرمز؟ فالفهم الروحي يستلزم شيئين هامين وهما الفهم الحرفي الذي يُؤدي إلى الفهم الرمزي، وكلاهما يقدمان العمق الروحي للإنسان..
ما هي الخطُوات التي تُساعدنا على درس الكتاب ؟
الخطُوة الأولى: اقتناء الإنجيل المُقدس، فيجب أن يكون لكل إنسان إنجيلاً خاصاً، لكي تتعود على حروفه وكلماته، وورقه يشهد على دموعك وندمك وتوبتك وجهادك، ويصبح جزءً وقطعةً منك..
الخطُوة الثانية: محبة الإنجيل الذي أمامك، وهي خطوة هامة لأن عدم محبة الكتاب تجعلنا مُتهاونين مُتكاسلين، والأيام تمر علينا دون أن نستمتع بكلمة الله المُحيية القادرة على تنقية نفُوسنا وأفكارنا (عب12:4)..
الخطُوة الثالثة: قراءة الإنجيل، فيجب قراءته يومياً إصحاح أو اثنين ولكل إنسان قراءاته الشخصية، وسوف تجد رسالة من عند الله مثل: في ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، كما أن القراءة تقدس المكان (مز1)..
الخطُوة الرابعة: فهم الإنجيل، أثناء الدراسة تجد أشياء عسرة الفهم، فإن كُتب التفسير سوف تُساعدك على الفهم والشرح، وتقوم بعملية تسهيل الدراسة، ومع الانتظام سوف تنمو في الفهم والمعرفة والحكمة..
الخطُوة الخامسة: حفظ الكتاب والكلمات المُقدسة هام جداً، ففي كل مرة تحفظ آية وتدخل في أعماقك، تُنظف وتُنقي عقلك وفكرك، وكما يقول داود النبيّ: لصقت بشهاداتك، أنظر الكتاب (مز31:119)..
الخطُوة السادسة: التكلّم بالإنجيل، فتجعل كل كلامك وأحاديثك منه، لأن التحدث بالكلمة المُقدسة تجعل الآخرين يتأثرون بها، كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدين، أنظر (عب12:4)..
الخطُوة السابعة: الحياة بالإنجيل، فتصير إنجيلاً معاشاً مقروءً من جميع الناس، في تصرفاتك وكلامك ومظهرك، كلمتك وحياتك تصير هي إنجيل وبيتك يكُون أيقُونة السماء على الأرض (2كو3:3)..
ولكي ما تنجح في قراءة ودراسة الكتاب، أجعلها دراسة رُوحية، ولتكن بخُوف وخشُوع ووقار، وأرفع قلبك إلى الله وقل له: تكلّم فإن عبدك سامع أعطيني يارّب: قلباً ينبض بحُبك، ونفساً تعشقك، ورُوحاً أميناً لذكراك، وفكراً يُدرك أسرارك، وعقلاً يستريح فيك، وأنف يشم رائحتك الذكية، وفم يتذوق حلاوتك، وأذنان تسمعان صُوتك، وعينان تشاهدان جمال بهائك، وقدمان تسيران في طريقك، ويدان تعملان ما يُرضيك، باختصار أعزف لك سيمفُونية الحُب الإلهي، وأطلب إرشاد الرُوح القُدس لكي يُفرحك ويُعزيك ولا تجعل القراءة روتيناً، تلتزم بتنفيذه لتهدئة ضميرك، وإنما خلاله تلتقي بالسمائيين مع القديسين، فتجد الكُل معك يحبُونك ويسندُوك..
ما هي مكانة الكتاب المُقدس في كنيستنا ؟
أولاً: بداية الكتاب المُقدس، فهو البداية في كل عمل كنسي، فلا يمكن أن نبني كنيسة أو مكان عبادة إلاّ بوضع نسخة من الكتاب داخل الأساسات، لأنه هو أساس الكنيسة المُقامة..
ثانياً: بشارة الكتاب المُقدس، فنضعه أمام عيوننا على الدوام، وهو داخل غلاف معدني ونسميه بالبشارة المُفرحة، ويتم تدشينه ويوضع على المذبح في الهيكل أقدس وأهم مكان في الكنيسة..
ثالثاً: مخافة الكتاب المُقدس، فله مخافة ويُعبر عنها عندما يقرأ ويقول الشماس في الكنيسة: قفوا بخوف أمام الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل...الخ وهو علامة الاستعداد لحضور الرب، والتركيز وعدم الشوشرة..
رابعاً: كرامة الكتاب المُقدس، فعندما يقرأ الكاهن الإنجيل يمسك بيده البشارة ويرفعها فوق رأسه، ثم يُقبلها ويُعطيها للآباء والشمامسة لتقبيلها، وهو تعبير عن الكرامة والحب والارتباط بالسماء..
خامساً: أوشية الإنجيل، أي صلاة وطلبة، ويصليها الكاهن وهُو واقفاً أمام باب الهيكل ممسكاً بالشُورية، والشماس خلفه رافعاً البشارة والصليب وتظهر فيها البركة حيثُ نُصلي عن المرضى والراقدين..
سادساً: غزارة الكتاب المُقدس، ففي كل قداس نقرأ تسعة فصول منه فكنيستنا إنجيلية كتابية تأخذ من العهد القديم والجديد، وتجعل كلمة الله حاضرة أمام الشعب، ليأخذ نصيباً وافراً من الغذاء الروحي..
سابعاً: جعلت الكنيسة في ترتيبها، ونظامها رتبة باسم أغنسطس، أي قاريء، وصاحب هذه الرتبة يقرأ ويُفسر الكتاب، ويصير إنجيلاً مقروءً ومُعاشاً من الجميع، وكما يقول معلمنا بولس الرسول: أنكُم رسالة المسيح مخدومةً منا، مكتُوبةً لا بحبرٍ بل برُوح الله الحيّ، لا في ألواحٍ حجريةٍ بل في ألواح قلب لحميةٍ، راجع الكتاب المُقدس (2كو3:3)..
ثامناً: رسالة الكتاب المُقدس، رسالة يومية للمُؤمن في حياته الرُوحية وعندما يرتبط أي شخص بسرّ الزيجة، تُقدم له الكنيسة كتاباً مُقدساً، وكأنها تقول له أنك لن تُؤسس بيتاً بل كنيسة صغيرة، وإلى الكنيسة التي في بيتك (فل2:1)، فهُو رسالة الحياة والخلاص لكُل أحد..
تاسعاً: مهابة الكتاب المُقدس داخل الكنيسة، ففي وقت قراءة الإنجيل تُضاء الشمُوع والأنُوار، وكما قال الرّب: أنا هو نُور العالم، مَن يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكُون له نُور الحياة (يو12:8)، فتُذكرنا أن الوصية نُور وهي سماوية، ونُور الشمُوع يُمثل حضُور الملائكة..
عاشراً: شهادة الكتاب المُقدس داخل الكنيسة، فهو الشاهد لكُل عقائدنا وطقُوسنا وصلواتنا وعبادتنا، فمركز عقيدتنا هُو الله، والمسيح الإله الحيّ المتأنس، وكُل عقيدة وطقس مبني على آيات الكتاب، ونستطيع أن نُقيس نمونا في النعمة بمحبتنا لكلمة الله (لو44:24؛ يو39:6؛ 2تي16:3)..
قال فولتير المُفكر الفرنسي المشهُور في القرن الثامن عشر: أن اثني عشر رجلاً وضعُوا مباديء المسيحية، وأنه بمفرده يتقدم لدحضها، وأن الكتاب المُقدس سيعتبر كتاباً منسياً خلال مائة عام، فماذا حدث ؟!
حدث العكس فالنقد العلمي الذي وجهه للكتاب تحُول إلى دراسة أدق وأشمل لتاريخه وما يتعلق به، وخرج الكتاب من أزمة العصر الحديث أرسخ مما يتصور النُقاد، فلقد ساعدت علوم الآثار، والاكتشافات الحديثة والدراسات اللغوية وغيرها، على كشف عن رصانة الكتاب المُقدس وصدق روايته بطريقة لم يتوقعها العلماء والباحثين..
حقاً سيظل الكتاب المُقدس كتاباً خالداً لا يسقط حرف واحد من كلامه إتماماً لقول الرّب يسُوع: إلى أن تزُول السماء والأرض لا يزُول حرف واحد، أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل، ولكن كلامي لا يزُول، أنظر (إر29:23؛ مت18:5؛ مر31:13؛ رؤ18:22-20)، إن كان أحد يزيد على هذا، يزيد الله عليه الضربات المكتُوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النُبوّة، يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المُقدسة، ومن المكتُوب في هذا الكتاب..
أليست هكذا كلمتي كنارٍ يقُول الرّب وكمطرقة تُحطّم الصخر، فكما أن النار تُحميّ الحديد وتجعله ليناً، هكذا كلمة الله تُلين القلوب القاسية، وتُحطم القلوب التي تحجرّت بالخطية وتسحقها..
نلاحظ أن: أبسط الأشياء التي نفعلها لها سند من الكتاب المُقدس، فمثلاً عندما ندخل الكنيسة ونصل إلى عتبة الهيكل ونُقبّل الستر، نتشبه بالمرأة التي لمست ثُوب الرّب يسُوع في وسط الزحام، فبرئت في الحال، أنظر (مر25:5-34؛ لو43:8-48)، وكأن هذا الستر ثُوب المسيح..
أيضاً جُلوس السيدات والرجال داخل الكنيسة بالطريقة المُعتادة دائماً، ما هذه الجلسة إلاّ تطبيق للوصية، جُعلت الملكة عن يمينك..
ثيؤطوكية السيدة العذراء والدة الإله، وهي مجموعة من التماجيد التي وضعها البابا كيرلس عمود الدين، وقد أخذت من الكتاب المُقدس، فعندما دخلت السيدة العذراء مريم على أليصابات قالت لها: مُباركة أنتِ في النساء ومُباركة هي ثمرة بطنكِ!! فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليّ؟ (لو42:1)
قال أحد القديسين: أن كلمة الله تُشبه الأسد الذي لا يحتاج لمُدافع عنه فقط أطلق له العنان، وهو سيدافع عن نفسه بكُل سهُولة..





