الأب يسطس الأورشليمى
    عاش الأنبا شنودة مؤسس الدير الأبيض  و تولى فيها رئاسة الدير . في الفترة ما بين عامي  348م إلى 466 م، أي  حوالي 118 سنة و تولى رئاسة الدير بعد سنة 385م.

    لقد كان الأنبا شنودة من بين هؤلاء النساك الذين سعوا إلى تأصيل هذه المفاهيم الروحية العميقة فى نفوس رهبانه، ولم يكن الأنبا شنودة ناسكًا مدققًا ومجاهدًا روحيًا عظيمًا، ومعلمًا واعيًا وراعيًا أمينًا لأبنائه فقط، بل كان أيضًا وبنفس القدر الأب الواعى بقضايا كنيسته وقضايا وطنه .فلقد تثقف بثقافة عصره بطريقة عميقة، وكان قارئًا مدققًا للفلسفة بما له من دراية كاملة باللغة اليونانية وقواعدها وأصولها، كما سنرى لاحقًا، مما مكنه من قراءة كثير من كتب الفلاسفة والشعراء اليونانيين، ونقد منها ما استحق النقد وأثنى على ما استحق الثناء . فنجده يرفض نظرية أفلاطون عن النفس حيث يقول أفلاطون إن النفس سقطت وعندما سقطت حُبست فى الجسد

       الانبا شنودة  الذي استطاع برؤيته اللاهوتية المتميزة أن يستخدم بعضًا من الفكر الفلسفى لكى يكشف عمق الحقيقة. فنجده فى وصفه للنفس ـ بالرأى والمعرفة ـ يقترب من الرؤية الأفلاطونية فى وصف النفس بذات التعبير ـ الرأى والمعرفة ـ وهو فى هذا لم يبتعد عن خط آباء الكنيسة فى وصف النفس .

تعتبر الديرية الباخومية ثالث الأدوار الكبري وخاتمتها في تطور الحياة الرهبانية في مصر التي أصطلح علي تسميتها بحياة الشركة فللمرة الأولي في تاريخ الرهبنة  المسيحية نسمع عن أديرة منظمة ذات قوانين وضعية ونظم ثابتة تخضع لها كل جماعة كبيرها وصغيرها وتنسب الحركة الديرية إلي رائدها الأول وواضع  أسسها وتنظيمتها الأنبا باخوم الذي يسمونه أب الشركة الذي بني أول دير  في العالم لكي ندرك هذا النظام   وتنسك ورهبنة العذارى.لم يكن نظام الشركة إجبارياً فى أديرة الأنبا شنودة بل أنه شجع حياة العزلة وكان المتوحدون يأتون للدير من وقت لأخر ليأخذوا لوازمهم من الخبز والماء أو ليحضروا الإجتماعات السنوية . وهكذا أجمع الأنبا شنودة بين النظامين الأنطونى والباخومى. والأنبا شنودة الذي لقب برئيس المتوحدين الذي أسس مركز ديرياً كان له أهمية في تاريخ الديرية والقومية المصرية .

نقرأ فى حياة الأنبا شنودة الذى أسس الدير الابيض فى أخميم فى القرن الخامس الميلادى إشارة خاصة إلى علاقتة بالنوبيين (والبجة) فقد أوى كثيرين منهم فى ديره وأسبغ عليهم كثيرا من عطفه وخدماته الاجتماعية.

  شدد الأنبا شنودة على أهمية التعليم فقضى على الأمية في أديرته وجعل القراءة والكتابة شرطاً للالتحاق فيها. 

        كان الأنبا شنودة رئيس المتوحدين يفتح ديره لعامة الناس في أمسيات السبوت لحضور القداس صبحية الأحد وكان يعظ الناس كلهم إلى كل ما هو حق. بعد ضعف مدرسة الإسكندرية اللاهوتية نتيجة الاضطهاد صارت الأديرة مركز لعلوم الكنيسة واعتبرت الأديرة مخازن لكنوز العلوم والمعرفة سواء الدينية أو المدنية.

        لقد كان الكتاب المقدس بالنسبة للأنبا شنودة هو المصدر الدائم الذى استقى منه تعاليمه. ولقد أشار W.E. Crum إلى أن [الدارسون للعهد الجديد سيجدون فى إشارات الأنبا شنودة التى لا تنتهى من العهد الجديد، شهادة لا تقدر بثمن والتى لا زالت خارج نطاق البحث..].

      واستخدام الأنبا شنودة للكتاب المقدس وطرق تفسيره، يرجع إلى تفضيله نمطًا للتعليم له علاقة مباشرة بالحياة اليومية للإنسان داخل أو خارج الدير.
    بعد ضعف مدرسة الإسكندرية اللاهوتية نتيجة الاضطهاد صارت الأديرة مركز لعلوم الكنيسة واعتبرت الأديرة مخازن لكنوز العلوم والمعرفة سواء الدينية أو المدنية.

    لعل الأنبا شنودة لم يهتم بأمر ما قدر إهتمامه بتعليم تلاميذه وتثقيفهم. قضي علي الأمية في أديرته بأن جعل القراءة والكتابة شرطاً من شروط الإلتحاق في الدير علي نحو ما ذكرناه ونظم ثلاث دروس يومية للمبتدئين في الساعات الأولي والثالثة والسادسة من النهار بالإضافة إلي دروس أخري عامة يقدمها رؤساء الأديرة بأنفسهم يومي الأربعاء والجمعة في تفسير الكتب المقدسة والتعاليم المسيحية. وكان حضورها إجبارياً علي الجميع. علي أن التعليم جميعه كان يهدف إلي ناحية الدينية وحدها. وكانت المكتبات مفتوحة لكل قارىء يريد الإستفادة بما فيها. وهكذا غدا رهبأنه أكثر طبقات المصريين نصيباً من ذلك، ولشدة إهتمامه وإيمأنه به وسع نطاقه حتى شمل أهالى المنطقة المجاورة لديره. وكان يهدف إلى القضاء على الخرافات والتعاويذ السحرية

وضع لها نظاماً ثابتاً في شقيها الجماعي والأنفرادي. كتاب الصلاة الجماعية تقام بالكنيسة ثلاث مرات كل يوم. في الصباح ووقت الظهر وفي وقت المساء وهذه يحضرها جميع الرهبان بدون إستثناء. أما الصلاة الإنفرادية فكان الرهبان يؤدونها في قلاليهم وكما كانوا يشتركون في القداس الإلهي في صباح يومي السبت والأحد.

كانت الملابس تتماز بالبساطة التامة. يرتدي الراهب داخل الدير قميصاً من غير أكمام ويصل إلي ركبتيه مصنوعاً غالباً من التيل الخشن يعلوه منطقة حزام عريض من الجلد يشد بها وسطه ويغطي رأسه بقلنسوة وكان يسير علي قدميه عاري القدمين. أما خارج الدير فكان يغطي كتفيه بجلد خاروف أو ماعز يضع عباءة فضفاضة مخاطة بأعلاها قلنسوة الرأس ومرسوم علي جبهتها علامة الدير وهو صليب ملون بلون خاص ليدل علي المؤسسة التي ينتمي إليها الراهب وكان يلبس في قدميه صندلاً مفتوحاً.     

الأنبا شنودة واللغة اليونانية
مدينة أخميم أو بانوبوليس اليونانية على الضفة الغربية للنيل بمحافظة سوهاج. تبعد أخميم ايضاً حوالى 40 ميلاً عن مدينة سوهاج. ذکر استرابون اليونانى وجود صناعة للنسيج فى هذه المدينة. هي عاصمة الإقليم التاسع من أقاليم مصر القديمة حتى نهاية العصر الروماني ،

 كما سماها اليونانيون " بانوبوليس ، وكانت تحمل أسما دينيا وهو "برمين ) أي بيت مين وقد تحولت في القبطية إلى " خميس " ويحكي " هيرودوت " عن (أبو ) أو (خميس ) 

وقد ذكروه أيضا أن " برسيوس " كان حقا واحدا منهم كما كان" داناوس – ولينسيوس" من أهل "خميس" قبل أن يذهبا إلى اليونان وأخيرا فأنهم أكدوا أيضا أن" برسيوس" قد أمرهم بتكريمه بإقامة الألعاب الرياضية كما يفعل الكهنة الإغريق.وأضاف أنه لايكاد يوجد حاليا شيء من بقايا معابد " أيبو " المشهورة التي كانت لا تزال قائمة في القرون الوسطي أما جبانتها فتقع إلى الجهة الشمالية الشرقية من المدينة

      كانت أخميم إحدى ثلاث مراكز اغريقية سكنتها جاليات اغريقية جعلت من المدينة جزيرة اغريقية وسط المحيط المصري ، بل جزيرة وثنية وسط البحر المسيحي.

لقد كان الكتاب المقدس بالنسبة للأنبا شنودة هو المصدر الدائم الذى استقى منه تعاليمه. ولقد أشار W.E. Crum إلى أن [ الدارسون للعهد الجديد سيجدون فى إشارات الأنبا شنودة التى لا تنتهى من العهد الجديد، شهادة لا تقدر بثمن والتى لا زالت خارج نطاق البحث..].

    فقد قال كليمنضس الأسكندرى [... أن المعرفة هى خاصية النفس التى تتحقق عن طريق التدريب الذهنى ..]. ويضيف [ هناك جانبان لقدرات النفس هما المعرفة والإقدام]. ويسجل فى موضع آخر [النفس تنمو بالإيمان والمعرفة ]. 

ويؤكد مكسيموس المعترف على أن [ نور النفس هو المعرفة ]. ويضيف [ إن كمال النشاط الذهنى للنفس هو المعرفة الحقيقية].

    واستخدام الأنبا شنودة للكتاب المقدس وطرق تفسيره، يرجع إلى تفضيله نمطًا للتعليم له علاقة مباشرة بالحياة اليومية للإنسان داخل أو خارج الدير.
    لكن يُعتبر الأنبا شنودة هو الوحيد من آباء الكنيسة الذى أضاف إلى وصف النفس بالمعرفة تعبير "الرأى" وهو الوصف الذى أعطى للنفس أيضا من قبل الفلسفة الأفلاطونية.

 وهكذا يؤكد اطلاعه الواسع على الفلسفة اليونانية وقد أكد Herbert Thomson أن الأنبا شنودة كان يعرف اليونانية مُشيرًا إلى الرسالة التى وجهها البابا ديوسقورس بطريرك الإسكندرية آنذاك إلى الأنبا شنودة ـ لأن لغة الرسالة كانت اليونانية ـ وكما يبين محتوى الرسالة أنها تُرجمت منه هو نفسه أو من شخص آخر تحت إشرافه المباشر.

    وأيضا يقول Adolf Erman فى مقاله " شنودة وأريستوفانيس" إن الأنبا شنودة كان لديه معرفة كبيرة باللغة اليونانية وهذا واضح من النقد الذى وجهه إلى أريستوفانيس عن روايته "الطيور" ـ معتبرًا أن استخدام لغة الطيور وعنوان الرواية Orinqej أى " الطيور" يشكلان أسوأ نموذج للأدب اليونانى.

ولهذا يقول البروفيسور D. Tsamhj [إن أعمال وأقوال آباء البرية تبين أن كلمة الله يمكن أن يُعبر عنها، وأن تُعاش داخل مشاكل وتفصيلات الحياة اليومية. وهكذا يُستعلن ملكوت الله ليس بشكل مجرد ونظرى، ولكن داخل مكان وزمان محدد. 

    أما العالم الألمانى Leipoldt فقد قدم الأنبا شنودة بهذا الوصف [ أنه أكثر ثقافة من كثيرين من أبناء وطنه ولا أعرف إن كان قد درس فى مدرسة يونانية أم لا، لكنه من وقت لآخر يُظهر لنا ويوضح الأسلوب اليونانى الشيق ومواطن الجمال فى معنى الكلمات بأسلوب لا يقل عن أسلوب يوسابيوس القيصرى وباسيليوس الكبير].

ويقول H. F. Weiss: [يجب أن نقبل أن شنودة قد عرف الثقافة اليونانية واللغة اليونانية جيدًا ولهذا فقد توفر لديه القواعد الأساسية التى تمكنه من أن يكون مطلعًا على المشكلات اللاهوتية لعصره].

    ومع كل هذه المعرفة للغة اليونانية ودرايته الكاملة بها فقد رفض استخدامها فى أديرته وتبنى استخدام اللغة القبطية كلغة حديث ولغة كتابة، وكان لهذا الحدث بُعد قومى أيضا لأن اللغة تمثل أسلوب تواصل بين الناس. إذ أن رفض استخدام اللغة الأوسع انتشارًا فى هذا العصر كان يعنى وبشكل مباشر رفض التواصل مع العنصر الأجنبى المحتل لوطنه والذى مارس كثيرًا من المظالم ضد أبناء هذا الوطن. فنشاطه الاجتماعى كان له بُعد قومى. وتوجهه القومى كان له نتائج اجتماعية متعددة.

الأنبا شنودة واللغة القبطية
      ومع كل هذه المعرفة للغة اليونانية ودرايته الكاملة بها فقد رفض استخدامها فى أديرته وتبنى استخدام اللغة القبطية كلغة حديث ولغة كتابة، وكان لهذا الحدث بُعد قومى أيضا لأن اللغة تمثل أسلوب تواصل بين الناس. إذ أن رفض استخدام اللغة الأوسع انتشارًا فى هذا العصر كان يعنى وبشكل مباشر رفض التواصل مع العنصر الأجنبى المحتل لوطنه والذى مارس كثيرًا من المظالم ضد أبناء هذا الوطن. فنشاطه الاجتماعى كان له بُعد قومى. وتوجهه القومى كان له نتائج اجتماعية متعددة. كان الأنبا شنودة ينتمى إلى عائلة لها علاقة وثيقة بالرهبنة، فقد كان خاله الأنبا بيجول هو مؤسس دير أتريب وعندما وصل عدد رهبأنه إلى ثلاثين راهبًا حدد لهم أعمالاً ووضع لهم قوانينًا، وإن كانت أكثر شدة من القوانين الخاصة بجماعات رهبانية تعيش بنظام الشركة التى كانت توجد فى نفس المنطقة.

    لقد كان الكتاب المقدس بالنسبة للأنبا شنودة هو المصدر الدائم الذى استقى منه تعاليمه. ولقد أشار W.E. Crum إلى أن [ الدارسون للعهد الجديد سيجدون فى إشارات الأنبا شنودة التى لا تنتهى من العهد الجديد، شهادة لا تقدر بثمن والتى لا زالت خارج نطاق البحث..].

    واستخدام الأنبا شنودة للكتاب المقدس وطرق تفسيره، يرجع إلى تفضيله نمطًا للتعليم له علاقة مباشرة بالحياة اليومية للإنسان داخل أو خارج الدير.
    ولقد اختبر آباء البرية ما نسميه اليوم بالإنجيل المُعاش، إذ لدينا شهادة من القرن الخامس يقول فيها القديس مرقس الناسك [ إن أهمية الكتاب المقدس توجد فى التطبيق العملى لمحتواه].

    وهكذا استطاع الأنبا شنودة أن يحقق التوازن بين العمل الروحى وتتميم القوانين الرهبانية، وبين العمل الاجتماعى والاهتمام بقضايا الوطن .

كان الأنبا شنودة ينتمى إلى عائلة لها علاقة وثيقة بالرهبنة، فقد كان خاله الأنبا بيجول هو مؤسس دير أتريب وعندما وصل عدد رهبأنه إلى ثلاثين راهبًا حدد لهم أعمالاً ووضع لهم قوانينًا، وإن كانت أكثر شدة من القوانين الخاصة بجماعات رهبانية تعيش بنظام الشركة التى كانت توجد فى نفس المنطقة.
فى القرن الخامس ذلك النظام الذي نقله يوحنا كاسيان إلى الغرب فيما يعرف حالياً بالرهبنة البندكتية ، التي تأسست في القرن السادس الميلادي، وذلك بعد أن عاش كاسيان سنوات طويلة في صحاري مصر وأديرتها وبين متوحديها في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، وتشرب روحها وتمثل نظامها في عمق وكتب عنه بدقة متناهية.