بقلم د. ق يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
وعضو إتحاد كتاب مصر
الذين في الجسد لا يستطيعُون أن يرضُوا الله؟هل نقطع أجسادنا إرباً حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشرية؟!
هذا التفسير الحرفي غير لائق. فهُو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جُوهره بل يعنى الحياة الحيُوانية المُستهترة التي تجعل الإنسان جسدياً، وأيضاً حين نسمع: أما أنتُم فلستُم في الجسد، بل في الرُوح، لا نفهم بهذا أننا خلعنا الجسم الإنساني، لكننا ونحنُ في هذا الجسم، قد تركنا تيار الشهُوات الجسدانية، وهذا التعبير أستخدمه الرّب يسُوع حين قال لتلاميذه: أنتُم لستُم من هذا العالم، بمعنى إنهُم لا يحملُون فكر العالم الأرضي وشهُواته بالرغم أنهم في العالم (1يو15:2-17)..
وإن كان المسيح فيكُم، فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الرُوح فحياة بسبب البرّ، فالسالك بالرُوح القُدس، إنما ينعم بالمسيح أيضاً ساكناً فيه. فماذا يقصد بذلك؟
يقصد أن مَن له رُوح المسيح، يكُون أيضاً له المسيح نفسه، لأنه حيثُ يُوجد أحد الأقانيم الثلاثة، والثالوث القدُوس حالاً، لأن الثالوث غير مُنقسم على ذاته. (1يو5:5-12)..
تأمل في عظمة البركات التي ننعم بها بنوالنا الرُوح القُدس، فبكُونه رُوح المسيح يكُون لنا المسيح، ونصير مناظرين للملائكة، وننعم بالحياة الخالدة، ونمسك بعربُون القيامة، ونركض بسهُولة في سباق الفضيلة..
إن كان نامُوس الخطية قانُونه المُوت الأبدي، فإن نامُوس الرُوح الذي يهبه لنا المسيح قانُونه القيامة من الأمُوات على مستُوى أبدي، يهبنا المسيح رُوحه القدُوس ساكناً فينا، والرُوح الذي أقام المسيح من الأمُوات هُو قادر أن يُقيم طبيعتنا الساقطة، فينزع عنها نامُوس الخطية ليهبنا الطبيعة الجديدة المُقامة في المسيح، يسُودها نامُوس القيامة والحياة..
قال: سيُحيي أجسادكُم المائتة أيضاً برُوحه الساكن فيكُم، تأكيد لوحدة العمل بين الثالوث القدُوس، فإن الآب يُحّيي مَن يشاء، وأيضاً الابن، وكذلك الرُوح القُدس. (يو21:5؛ حز9:37)..
بعد أن أظهر مكافأة الحياة الرُوحية، إذ تجعل المسيح ساكناً فينا، وتحي أجسادنا المائتة، وتهبها أجنحة لتطير بها إلى السماوات، وتجعل طريق الفضيلة سهلاً، إذ يقُول: أنكُم لستُم لأنفسكُم، لأنكُم قد اشتُريتُم بثمن فلا تصيرُوا عبيداً للناس، بل مجدُوا الله في أجسادكُم وفي أرُواحكُم التي هي الله (1كو20:6؛ 23:7؛ 2كو15:5)، وهُو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفُسهُم، بل للذي مات لأجلهُم وقام..
هُو يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد ونجعله سيد على حياتنا، إنما ليكن الجسد هُو التابع لا القائد، ليس هُو الذي يُدبر حياتنا، بل نامُوس الرُوح هُو الذي يدبرها، ويجعلنا أهلاً للحياة الأبدية الخالدة..
ركز الرسُول: على شعُورنا أننا مدينُون للرُوح القُدس، الذي يعتقنا من الدينُونة مادمنا نسلك حسب الرُوح، ويهبنا رُوح الغلبة والنُصرة، فنواجه حرب الخطايا بُقوة ونركض في ميدان الفضيلة، مُنطلقين نحُو السماء كما بأجنحة الرُوح، وأخيراً يكشف لنا عن عمل هذا الرُوح الإلهي فينا، وذلك بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فينزعنا من مركز العبُودية، لنحتل مركز البنُوة الفائق، ونحسب بالحقّ أولاد الله لنا حقّ الميراث معه..
يقُول: لأن كُل الذين ينقادُون برُوح الله، فأولئك هُم أبناء الله..
كلمة: ينقادُون، مُظهراً أن الرُوح يستخدم سُلطاناً على حياتهُم، فيقتادهُم كرُبان يقُود سفينة، أو سائق مركبة على زوج من الفرس، فهُو لا يقُود الجسد فقط، وإنما يقُود الجسد، والنفس أيضاً ويملك عليهما..
وقُوله: لم تأخذُوا رُوح العبُودية، يُشير إلى العهد القديم حيثُ لم ينل اليهُود رُوح البنوة، إنما بنُوالهُم النامُوس مُجرّداً عاشُوا تحت تهديدات العقُوبة في خُوف كعبيد، أما في العهد الجديد فلم تعد مكافأة الوصية أمُوراً زمنية، إنما قُدمت الوصية للبنين، ليكُون الله نفسه مكافأتنا..
بسببك أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسداً ميتاً قابلاً للآلام، تقبلت الأرض لعنة، وقد لعنها الله فأنبتت شوكاً وحسكاً، حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحُول إلى حالة أفضل (مز25:102؛ إش6:51) من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك، هي تبيد وأنت تبقى وكُلها كثُوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير، وأنت هُو وسنُوك لن تنتهي، ارفعُوا إلى السماوات عيُونكُم وانظرُوا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان تضمحل والأرض كالثوب تبلى وسكانها كالبعُوض يمُوتُون..
لقد حاصر الخليقة الشرّ لأجلك وصار مفسداً، مع أنها لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضاً سيحدث عدم الفساد، هذا هُو معنى: على رجاء، أنها أخضعت ليس طُوعاً، لا ليظهر أن ما قد حدث لها، وإنما لكي نتعلم المسيح للكُل، فإن أصلاح الخليقة لا يكُون من ذاتها..
لأن الخليقة نفسها أيضاً ستعتق من عبُودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله، الآن ما هي هذه الخليقة ؟! يقُول: ستعتق من عبُودية الفساد، بمعنى أنها لا تعُود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنباً إلى جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك، فكما أنه عندما صار جسدك فاسداً فسدت هي أيضاً، هكذا الآن إذ صار جسدك غير فاسد تتبعه هي أيضاً، وإذ يُعلن هذا يبلغ إلى النتيجة وهي: إلى حرية مجد أولاد الله، فتتحقق بذلك حريتها..





