أحمد الخميسي 
يقول طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر: ‏" لستُ أخافُ على المصلح عدوًا أكثر مما أخافُ عليه الرأي العام، فإن للجمهور على النفوس سطوةً قاهرة، قلما يقاومها إلا أشد الناس بأسًا".
 
ويطرح طه حسين بهذه الفكرة خطورة الرأي العام السائد، وصعوبة مكافحته، وهو الأمر الذي عاني منه طه حسين نفسه في معاركه الفكرية. تذكرت قول العميد هذا حين قررت أن أكتب عن رواية باتريك زوسكيند الشهيرة المسماة العطر. ومع أنها أولى رواياته وصدرت عام 1985، إلا أنها ظلت تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا عشر سنوات، وحصدت العديد من الجوائز المختلفة، وبيعت منها نحو عشرين مليون نسخة بمختلف اللغات، كما تحولت إلى فيلم سينمائي بطولة النجم العالمي " داستان هوفمان".
 
وتبلور شيئا فشيئا ذلك الرأي العام الذي استقر على أن الرواية عمل عظيم لا مثيل له ولا خلاف عليه. وفي وهج الاعجاب العام كتب عدد من نقادنا يقولون إن الرواية : " عمقت فكرة أن الانسان خسر ذاته فوصل إلى ما يعانيه الآن من حروب وصراعات وضياع نفسي وأخلاقي" وكتب آخرون ما يشبه ذلك التعظيم في اتجاهات أخرى.
 
وعادة فإنني أنأى بنفسي عن الأعمال التي تحيط بها ضجة ودعاية بفعل مؤسسات وآليات التسويق، وأكاد في معظم الأحيان أشك في أصالتها،  هذا حتى أقعدتني في الفراش وعكة صحية فرحت أقرأ " العطر" لاستبين سطوة الرأي العام من الفن والأدب الحقيقي. وقد صدمتني الرواية، وإذا جاز لي أن أصدم محبي العطر لقلت إنها مجرد سخافة ضخمة تمتد في ثلاثمئة صفحة. وتذكرت ما كتبه الروائي البرازيلي " باولو كويلو" عن عمل مماثل دوت أصداؤه كالطبول وأعني رواية جيمس جويس المعروفة " أوليسيس"، فقد كتب" كويلو" يقول:" الناس جميعا يريدون أن يكتبوا " أوليسس" ولكن إذا قمت باستفتاء لمعرفة عدد من قرأ تلك الرواية ستجد أنهم قلة قليلة "! لكن سطوة الرأي العام التي تحدث عنها طه حسين وضعت الرواية في مقدمة الأعمال الكبرى.
 
يروى باتريك زوسكيند في العطر قصة " باتيست جرونوى" الذي يولد وسط كومة قمامة في سوق سمك، وتتخلى عن أمه، فتتلقفه بيوت رعاية الأطفال، ومنها إلى عمله مع دباغ جلود ثم مع صناع العطور في باريس. يولد الشاب وقد تميز – لا تدري كيف أو لماذا – بحاسة شم مذهلة يميز بها كل العطور، ويولد أيضا ويعيش ويموت شريرا من مولده إلى مماته، شريرا خالصا لا تنبض فيه نبضة خير. لماذا ؟ أو كيف؟ وهل هذا منطقي أن يخلو حتى الشر من الخير؟! لم يحدث هذا قط لا في الطبيعة ولا البشر ولا حتى الجمادات.
 
ومع اشتغال الشاب بالعطور وقبل ذلك يسجل لنا باتريك زوسكيند نحو مئة وخمسين صفحة من أصل ثلاثمئة حول صناعة العطر وتطورها وأنواع العطور والأعشاب إلى آخره مما لا يتصل لا بالعمل الروائي ولا بالموهبة وإنما بعمل باحث في مجال الزراعة أو النباتات، ويتفتح الشر في نفس الشاب فيظل يقتل ويقتل حتى نهاية الرواية عندما يقف في حلقة بين عاهرات وسكارى فينهشون جسده ولا يبقى منه سوى قارورة عطر فارغة.
 
لا تقول الرواية شيئا، ولا تفيد في التعرف الى الطبيعة الانسانية، ولا ترتقي بحلم من الأحلام، فقط " غرابة " أن يتمتع انسان ما بحاسة شم مذهلة. قرأتها ومعذرة لكل المعجبين بها لكنها مجرد تفاهة أحاطتها عظمة العجلة الاعلامية وبريقها ثم سطوة الرأي العام، أو الجمهور الذي له على النفوس: " سطوة قاهرة".