القمص رويس الجاولى

سفر يهوديت ( يهو)
++++++++++
مقدمة:
يرى البعض أن هذا السفر يروي الأحداث التي دارت بعد هزيمة سنحاريب ملك أشور في أيام حزقيا ملك يهوذا (2 مل 19: 35-37؛ 2 أي 32) حيث عاد منهزمًا إلى نينوى فقتله ابناه، وخلفه في الحكم ابنه أسرحدون الذي غار على بلاد كثيرة منها بلاد مادي انتقامًا من أرفكشاد ملكهم الذي كان اليهود يحبونه. السبي الذي أشير إليه في هذا السفر هو ما حدث في أيام منسى (2 أي 11:33).

بعث ملك أشور بجيش قوي ضد أرفكشاد ملك مادي ليخضعه ويذل جميع حلفائه الذين من بينهم اليهود. قام بهذا العمل قائد جيوشه أليفانا أو هولوفرنيس Holofernes، وضرب الحصار أمام الحصن اليهودي بيت فلوي (بيتولي أو بتولية). وقد أوشك أن يقتحمها، لكن المحاصرين نجوا بفضل البطلة تقية يهوديت.

يقدم لنا هذا السفر صورة إيمانية حيّة لأرملة غنية وجميلة تقتحم بالإيمان معسكر الأعداء وتلتقي بالقائد أليفانا، واثقة في عمل الله الحيّ في وسط شعبه. استطاعت يهوديت كإستير أن تنقذ شعبها خلال شجاعتها التي ارتبطت بحياتها التقوية وطاعتها للوصية (يهو 6:8؛ 2:12).

يرى القديس جيروم أن الكاتب هو يهوديت نفسها التي سجلت الأحداث وقدمتها هدية مع ما أوقفته على الهيكل كهدايا تذكارية من متاع القائد أليفانا.
أسلوبه العبري رائع، يكاد يبلغ إلى مستوى الشعر. أسلوبه الروائي يحمل حيوية فائقة، يتسم بالواقعية دون تضخيم.

إن كان السفر قد كُتب في وقت معاصر للأحداث أو بعدها بقليل، فمتى جرت الأحداث؟
يرى البعض أنها في فترة ملك سنحاريب الأشوري حيث قام بحملة تأديبية بعد هزيمته الشهيرة في فجر القرن السابع ق.م. منتقمًا من أرفكشاد صديق اليهود ثم متجهًا نحو اليهودية جنوبًا.

٢. يرى آخرون أنها تمت في أيام منسى الملك وهو أسير في بلاد ما بين النهرين (المصيصة) حيث لم يكن يوجد ملك في البلاد.

٣. ويرى البعض أن هذه الأحداث تمت في أيام حزقيا الملك، أما عن سرّ غيابه في السفر وظهور رئيس الكهنة كمخطط للأمور فهو كبرياء حزقيا، إذ كان عدوه سنحاريب يتطلع إليه "حزقيا القوي المتكبر"

٤. يرى آخرون أنها تمت في القرن الرابع ق.م.، في عصر أرتحتششتا الثالث وحملته الجنوبية والتي توقفت في اليهودية عند بيت فلوي. ويرفض كثيرون هذا الرأي، لأن السفر لم يشر إلى السبي البابلي، ولا ذُكر المكابيون.

مفتاح السفر
"والَّذينَ يَتَّقونَكَ تَكونُ عنهُم راضِيًا" (يهو 16: 15).
المجامع التي أقرت قانونية السفر

مجمع نيقية سنة 325 م.

مجمع هيبو 393 م.

مجمع قرطاجنة الأول سنة 397 م.

مجمع قرطاجنة الثاني سنة 419 م.

اعتاد اليهود قراءة بعض الأسفار في أعيادهم، مثل:

عيد الحانوكا (التجديد): سفر يهوديت.

عيد الفصح: سفر نشيد الأناشيد.

عيد الحصاد أو الأسابيع: سفر راعوث.

عيد المظال: سفر الجامعة.

عيد الفوريم: سفر إستير.

ذكرى خراب الهيكل: مراثي إرميا.

سفر يهوديت والعهد الجديد:
واضح أن كتَّاب العهد الجديد قد عرفوا هذا السفر، وإن كانوا غالبًا لم يقتبسوا منه عبارات حرفية:

أ. "فأما الذين لم يقبلوا البلاد بخشية الرب، بل أبدوا جزعهم، وعاد تذمرهم على الرب، فاستأصلهم وهلكوا بالحيات (يهو 8: 24-25). وقد ورد في (1 كو 10: 9): "ولا نجرب المسيح كما جرب أيضًا أناس منهم فأهلكتهم الحيات".

ب. "مباركة أنتِ في النساء" (يهو 13: 23؛ لو 1: 42).

راجع أيضاً: ( يهو 1: 11 مع لو 20: 11؛ يهو 8: 6 مع لو 2: 27؛ يهو 8: 14 مع 1 كو 2: 11؛ يهو 8: 25 مع يع 1: 2؛ يهو 13: 18 مع لو 1: 42؛ يهو 13: 19 مع مت 26: 13).
+++++++++++

+++ اعتراضات على السفر
يظهر نبوخذنصر هنا كأنه ملك نينوى، وهي مدينة فتحها ودمَّرها عام 612 ق.م. جيش نبوبلصر والد نبوخذنصر الذي تحالف مع جيش مادي. أما نبوخذنصر فعاصمة مملكته بابل، وهو المنتصر على أورشليم ومدمرها، بينما نراه في هذا السفر يرسل جيشه في حملة تنتهي بالهزيمة. هذا ومن جانب آخر فإن أليفانا قائد الجيش وبوغا خصيُّه، فيحملان اسمين فارسيين، وردا في نصوص غير كتابية تروي حملة لأرتحششتا الثالث (359-338 ق.م.).

يذكر دميان ماكي Damien Mackey(26) محاولة البعض للتعرف على ما يقصده السفر من شخصية نبوخذنصر هنا، فيورد الافتراضات التالية:

أشوربانيبال Ashurbanibal (حوالي عام 620 ق.م.) حفيد سنحاريب Sennacherib. يعتمد القائلين بهذا الرأي على وجود نوع من التشابه خاصة بخصوص حرب أشوربانيبال مع فرارتس Phraotes, Phrarts الميدياني، وإذ قبض الآشوريون على منسى ملك يهوذا أخذوه إلى بابل وتركوا أورشليم بلا ملك. هذا يطابق ما ورد في السفر حيث لا يشار إلى ملك في يهوذا في كل قصة يهوديت. غير أن هذا الرأي يجد اعتراضا فإن أشوربانيبال لم يعان قط من أي تقهقر أمام اليهود. هذا وقد ورد في القصة أن يهوديت عاشت حتى بلغت 105 سنة ولم يعان اليهود من متاعب أيام يهوديت وبعدها أيضًا لمدة طويلة (يهو16: 23-25). هذا لا يناسب أشوربانيبال لأن يوشيا ملك يهوذا هُزم في معركة مجدو عام 609 ق.م.

يرى M. Leahy أن هذا العمل المجيد ليهوديت لا يمكن أن يكون قد حدث في أيام أشوربانيبال Ashurbanibal لأن يوشيا Josias ملك يهوذا انهزم وقُتل في معركة مجدو Megiddo عام 609 ق.م.

أرتحششتا أو أحشويرش الثالث Araxerxes III، حوالي عام 305 ق.م. حيث غزا أحشويرش الثالث  Araxerxes Ochus فلسطين في طريقه إلى مصر، وهولوفيرنيس Holofernes الرئيس الكبادوكي محاربًا مصر. هولوفيرنيس وباغوس Bagoos إسمان فارسيان.

مجلس شيوخ للشعب ثانٍ Second Commonwealth: يرى البعض أن عدم الإشارة إلى وجود ملك، وإنما يوجد مجلس شيوخ للشعب Gerousia في أورشليم (يهو4: 8) يؤكد نظرتهم بأن هذه الأحداث الخاصة بيهوديت ترجع إلى فتره Second Commonwealth عندما كانت أورشليم يحكمها مجلس وليس كاهن. غير أن الكلمة اليونانية المُتَرْجَمَة مجلسًا استخدمت في (لا9: 1) بـ"القدامى" Zapen. فتمكن أن تعني شيوخ إسرائيل، كما يوجد مجلس لمدينة بيت فولي Bethulia أثناء الهجوم الأشوري (يهو 6: 16).

المكابيون Maccabees: يرى الفريق القائل أن هذه القصة تحققت في أيام المكابيين أن ظروف القصة تتناسب اجتماعيًا وسياسيًا مع عصر المكابيين. فنبوخذنصر هنا يشير إلى ملك يوناني أو آخر مثل انطيموس ابيفانس Antiochus Epiphanes الذي كان يكره اليهود والذي أمر جيوشه أن beleaguered أورشليم.

فترة سنحاريب Sennacherib’s era
كل هذه الافتراضات مع ما لها من وجهة تقارب مع شخصية نبوخذنصر الواردة في سفر يهوديت غير أن لها ما يضادها أيضًا. ويرى دميان ماكي أنها تنطبق بالأكثر على فترة سنحاريب والملك حزقيا Hezekiah. في عصر أسرحدون/سنحاريب الذي حكم الآشوريين في نينوى، كان مردوخ بالادان Merdach-Baladan حاكمًا على الكلدانيين في بابل.
++++++++++

يرد على ذلك: أن حادثة سفر يهوديت سابقة لزمن نبوخذنصر الذي سَبَى اليهود إلى بابل. وأن المذكور في هذا السفر هو أسرحدون بن سنحاريب أو سوصدقيم أسرحدون. وقد كان اسم نبوخذنصر اسم علم لكثير من ملوك الأشوريين (عاصمتهم نينوى قبل دمارها على يد نبوبلصر)، وذلك كما أن اسم "فرعون" يلقب به ملوك مصر. فإن سنحاريب بعد أن خذلت حملته في اليهودية، إذ هلك منها في ليلة واحدة 185 ألفًا وعاد منكس الرأس إلى نينوى انقض عليه ابناه وهو ساجد في معبده الوثني وقتلاه، فخلفه أسرحدون، وأراد أن يأخذ بثأر أبيه فطارد القاتلين إلى بلاد أرمينيا، فأدركهما واستولى على هذه البلاد. وقد ساقه الطمع فاستهوته الفتوحات إلى الإغارة على بلاد الماديين. والذي بعثه على ذلك بالأكثر حب الانتقام من ملكها المدعو فرارتس Phrarts أو أرفكشاد Arphaxad الذي ظهر كمحبٍ لليهود أعداء أبيه؛ لأنه أحسن إلى كل الذين كانوا مسبيين في ولايته، وردهم إلى بلادهم بإكرام وعطايا تليق بملكٍ حليمٍ وعادلٍ. لهذا دعُوه الملك العظيم الحليم. انتصر أسرحدون أو ابنه على فرارتس وضم مملكة الماديين إلى مملكة أشور. وإذ قصد الانتقام من أعداء أبيه وهم اليهود أرسل قائده أليفانا ليخرب بلادهم ويخضعهم، فهلك بتلك الحيلة التي دبرتها يهوديت وتبدد جيشه.