الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يتّهم بعض الناس بولس الرسول بأنّه كَرّس لمؤسّسة العبوديّة، خاصّة حين يُستشهد بنصوص مثل: «أيّها العبيد، أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة، في بساطة قلوبكم كما للمسيح» (أفسس 6 : 5).
في عالمٍ يُدين العبوديّة أخلاقيًّا وقانونيًّا، تبدو هذه العبارات صادمة. لكن هل يصحّ أن نحاكم بولس بمعايير القرن الحادي والعشرين؟ هل نقرأه بعدسة الإعلانات العالميّة لحقوق الإنسان، وننسى أنّه كتب وسط عالمٍ رومانيّ يرى في الاستعباد أمرًا عاديًّا، بل ضروريًّا لبقاء النظام الاقتصاديّ والاجتماعيّ؟
بولس والأناكرونيزم (المفارقة التاريخيّة): خطيئة قراءة الماضي بعين الحاضر
من أخطر ما يواجه قراءة النصوص القديمة، أن نُحاكمها بمنطق عصرنا. أن نطلب من بولس، في القرن الأوّل، أن يتكلّم بلسان إعلان حقوق الإنسان (1948)، أو أن يتصرّف وفقًا لشرعة الأمم المتحدة.
هذه المقاربة تُدعى بـ"الأنكرونيزم": أي إسقاط مفاهيم لاحقة زمنيًّا على نصوص سابقة.
وهي تُشوّه القراءة، وتُنتج أحكامًا ظالمة، بل ومستحيلة تاريخيًا.
كان بولس يتحرّك في سياقٍ اجتماعي إمبراطوريّ يرى في العبودية نظامًا طبيعيًّا. لم يكن بولس يتكلم من موقع يسمح له بإلغاء مؤسسة مترسّخة اقتصاديًا وقانونيًا في نسيج الإمبراطورية الرومانية.
لكنّه – في وسط هذا الواقع – بثّ بذورًا راديكالية:«لأن الذي دُعي في الرب وهو عبد، فهو عتيق الرب... كذلك الحرّ، هو عبدٌ للمسيح» (1 كورنثوس 7: 22).
«ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى، لأنّكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع»(غلاطية 3: 28).
عبارات كهذه ليست انقلابًا قانونيًا، بل "نسفٌ تدريجي للهرمية" من الداخل، انطلاقًا من فكرة كرامة الإنسان الجديد في المسيح.
لقد استبدل بولس علاقات الهيمنة بعلاقات المحبّة، وجعل من الكنيسة جماعة أخويّة تتخطّى الفوارق الاجتماعيّة، من دون أن يستطيع (أو يدّعي) هدم النظام الإمبراطوري القائم بجرة قلم.
نحو قراءة لاهوتيّة تحرّريّة
في لاهوت التحرير، يُقرأ بولس لا بوصفه "مُهادنًا للعبوديّة"، بل علي أنّه شاهد على استراتيجيات التغيير التدريجي، من قلب البُنى الجائرة.
بولس، الذي دعا في رسالة فيلمون إلى قبول العبد أونسيموس «لا كعبد بعد، بل أكثر من عبد: أخًا محبوبًا»، كان يشقّ طريقًا نحو تجاوز العبوديّة من داخل منطق الإنجيل.
فإنّ "ثورة يسوع لم تكن سياسيّة بمفهومها العسكريّ، بل تحويليّة": تبدأ من الإنسان الجديد، وتُغيّر الجماعة، وتُزعزع الأسس التي يقوم عليها الظلم.
بنائً على ذلك، قراءة بولس اليوم لا يجب أن تقتصر على الاقتباس الحرفيّ، بل على فهم السياق، والانتباه إلى البذور التي زرعها، والتي ستنمو لاحقًا في الكنيسة حين صارت قادرة على إعلان التحرّر الكامل باسم الإنجيل.





