بقلم: هاني صبري
أثارت قضية إقامة مزارات للكهنة والأساقفة داخل أسوار الكنائس والأديرة جدلًا واسعًا في الأوساط القبطية، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض.
في تقديري، فإن استخراج أجساد القديسين والشهداء والكهنة، والتكالب على رفاتهم وتمجيدها وعرضها للناس، ينطوي على إهانة واضحة لهذه الأجساد الطاهرة، ولا ينبغي أن يتحول اعترافهم الحسن بالمسيح إلى تجارة من أجل محبة المال. كما جاء في الكتاب المقدس: “لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ!” (يوحنا 2: 16).
لقد تفاقمت هذه العادات الخاطئة في الوقت الحاضر، وخرجت عن التعقل حتى أعتبر غير المؤمن بها كأنه خارج الإيمان ،على الرغم من أنها تخالف التعاليم الصحيحة. فهل هذه هي الكنيسة القبطية التي تسلمناها؟
بالتأكيد لا. لذلك نرفض تحويل الكنائس إلى مقابر تحت ذريعة إقامة المزارات الدينية، ومن الأجدر أن يُدفن الأساقفة والكهنة في المدافن المخصصة لهم من قبل المطرانية أو مع أسرهم. ويجب أن نحترم حرمة أجساد القديسين الطاهرة.
وقد أثرت العادات المصرية القديمة على وجدان المصريين وظهرت في طقوسهم الدينية فمثلا ذكري الثالث والأربعين للمتوفي باتت متدخلة مع طقوس التجنيز ، حتى باتت بعض الممارسات تُعامل وكأنها جزء أصيل من العقيدة. ففي مصر القديمة، لم يكن إكرام الميت يعني دفنه فقط، بل الاحتفاظ بجسده في أفضل حالة ممكنة، وهو ما انعكس لاحقًا في بعض العادات المسيحية، مثل الاحتفاظ بأجساد القديسين وعدم دفنها في الأرض. ولكن المسيحية، بتعاليمها الراسخة، ترفض هذه المظاهر، إذ تؤكد ضرورة دفن الأجساد تحت الأرض، كما فعل الأنبياء والقديسون، استنادًا إلى سفر التكوين: “لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ” (تكوين 3: 19).
وقد أعرب القديس أنطونيوس أبو الرهبان عن استيائه من عادة ترك الأجساد دون دفن، والسبب الرئيسي إن المصريين إعتادوا تكفين العظماء وحفظ أجسادهم دون دفن في التراب، بل وضعها على منضدة وحفظها داخل البيوت.
ورفض الأنبا أثناسيوس الرسولي أيضًا هذا التقليد في رسالته الفصحية (41)، معتبرًا أنه نوع من ازدراء القديسين، وإهانة أجسادهم لأنهم لم يدفنوها في الأرض بل يضعونها في توابيت أو علي منضدة لكي يراها الناس هذا ليس إكرام لهم بل عدم تقدير للجسد ولا أصل لمثل هذه العادات في المسيحية .
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يُدفن الرهبان والأساقفة والكهنة المنتقلين في الطافوس (المقابر تحت الأرض)، وفقًا لما تسلمناه من تعاليم الكتاب المقدس وتقاليد كنيستنا القبطية.
كما يعلمنا الكتاب المقدس "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَأيَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ." ، ونحن نعلم قيمتهم كشهود أمناء للحق حافظوا علي إيمانهم القويم، ويتم ذكرهم في القداسات، ونتذكر إيمانهم وهم يختفون وراء كلمة الله فيشهدون لا بما لهم بل بالكلمة الإلهي المعلن في كرازتهم وفِي سلوكهم، فهذا كان إيمانهم الشاهد للحق ولعمل نعمة الله في حياتهم، ويجب أن نسير علي خطاهم هو عدم تحويل أنظار الناس عّن الرب، فقد عاشوا حياتهم مستترين في نعمة الله، فلماذا نكرّمهم بعد نياحتهم بطرق تخرج عن تعاليم الإيمان؟
إن الكنيسة مسؤولة عن توعية أبنائها بالتعاليم الصحيحة، فالرب يسوع وحده المستحق كل المجد والكرامة. وكما قال في سفر إشعياء: “أَنَا الرَّبُّ، هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَرَ” (إشعياء 42: 8). فلا ينبغي أن يُنافسه أحد في مجده.
حين نتأمل في مشهد التجلي في إنجيل مرقس (9: 8)، الذي رأه التلاميذ نتأكد أن الرب يسوع الوحيد الذي لابد أن نسمع له ونتطلع إليه وحده دون سواه. فعندما ذكر التلاميذ موسى وإيليا، اختفوا عن أنظار التلاميذ وبقي يسوع وحده "فَنَظَرُوا حَوْلَهُمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا غَيْرَ يَسُوعَ وَحْدَهُ مَعَهُمْ". وكأن الرب يقول لهم: لا تنظروا إلى أي شخص أخر، " أنا هو ". فالسيدالمسيح هو خلاصة الكتاب المقدس كله وجوهره ومحوره وإليه يرجع كل مؤمن به أياً كانت قامته الروحية لينهل من منهله العذب ويشبع من كلماته ويعمل بها، الذي هو روح وحياة وجوهر الإيمان، وهو وحده من نلتفت إليه ونتبع تعاليمه لخلاص نفوسنا.
وبناء عليه فإنني، أناشد المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذوكسية إصدار قرار يمنع إخراج أجساد القديسين والشهداء وعرضها أمام الناس، والعدول عن قرار تبادل الرفات بين الكنائس، والامتناع عن إقامة مزارات داخل الكنائس. فلتبقى الكنيسة أمينة لتعاليمها، وليكن مجد الله وحده هو الغاية النهائية لكل إيماننا وسلوكنا.