حمدى رزق

ولكم فى «تماسيح الجاحظ» عبرة، ومن كتاب «الحيوان» نقتطف سطورا دالة: «فالتمساح مختلف الأسنان، فينشب فيه اللحم، فيغمه فينتن عليه (يزعجه)، وقد جعل فى طبعه أن يخرج عند ذلك إلى الشط (الشاطئ)، ويَشحا فاه (يفتحه) لطائر يعرفه بعينه (عصفور القطقاط)، يقال إنه طائر صغير أرقط مليح، فيجىء من بين الطير حتى يسقط بين لحييه (فكيه)، ثم ينقره بمنقاره حتى يستخرج جميع ذلك اللحم، فيكون غذاء له ومعاشا، ويكون تخفيفا عن التمساح وترفيها، فالطائر الصغير يأتى يلتمس ذلك الطعم، والتمساح يتعرض له، لمعرفته بذلك منه»..

 

تماسيح التبرعات السنوية تمددت على الشط متخمة، بعد أن ابتلعت التبرعات والصدقات والزكوات فى رمضان، نحو عشر تماسيح (جمعيات عملاقة)، تملك موازنات إعلانية ضخمة، وتهيمن على نهر الخير، تغرف منه، وتعب منه عبا، النهر كاد يجف من الغرف المفرط وسنويا بالمليارات، خد من التل يختل.

تماسيح الجمعيات الراقدة فى النهر متربصة بالتبرعات، لم تترك قطرة تبل ريق عشرات الآلاف من الجمعيات والمؤسسات الخيرية ودور الرعاية وملاجىء الأيتام، نشفتها عليهم، حتى (عصفور القطقاط) لا يجد بقايا نتنة، لدرجة أن الجمعيات المتوسطة والصغيرة باتت على شفا الإفلاس، وتعانى أزمات تصل إلى حدود عدم المقدرة على توفير الطعام والدواء للنزلاء، وهم بعشرات الآلاف.

 

جمعيات ديناصورية عملاقة مفروضة علينا فرضا تقتحم بيوتنا بنفوذ الإعلانات الكثيفة ذات الموازنات الضخمة، وتستخدم نجوم الفن والرياضة والدين، وجوه مسلسلات الصابون، وبرامج الهداية، كل رمضان نفس الجمعيات بنفس الوجوه بنفس المشروعات الخرافية التى لا تنتهى أبدا.

جمعيات معروفة بالاسم، تستنزف تبرعات الطيبين عاما بعد عام بأساليب تجارية دعائية احترافية، دون تقديم كشف حساب واحد لجمهرة المتبرعين، يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ، إِنَّ الجمعيات تشابهت علينا!!.

كشف حساب واحد يُبَيِّنْ، كم جمعت فى كم سنة، وكم أنفقت سنويا على جمعه إعلانيا، وكم صافى الإيرادات بعد تجنيب نسبة العاملين عليها، وكيفية توزيعها على مصارفها الشرعية أو الخدمية!!.

 

متى تشبع هذه الجمعيات المجترة، والحيوان المجتر ‏ هو نوع من الحيوانات التى تأكل طعامها عن طريق عملية الاجترار، مجترين لا يتركون مساحة على الشاشة لجمعية جديدة بفكرة جديدة، صادروا التبرعات جميعا من المنبع، ويبحثون عن الصدقات فى جحر الديك، يتشاطرون (الزكوات)، ربنا يستر على (العشور)، لا تزال خارج اهتمام جمعيات (تماسيح) نهر الخير الجارى.

معلوم التبرعات كالماء المالح، كلما عببت منها ازددت عطشًا، ضخامة الحملات الإعلانية وثراؤها، تؤشر على حجم كعكة التبرعات، يسيل لها اللعاب، نهر جارٍ من التبرعات، ما يحتم ضراوة المنافسة، صيد محتمل ثمين ومغر، ويستأهل الإنفاق الخرافى لاقتناصه.

زكاة المال وحدها تقدر بسبعين مليارا فى تقديرات منشورة، يقال والله أعلم إن الجنيه إعلانيا فى رمضان يجلب عشرة جنيهات تبرعات، اللَّهُمَّ لا حسد، اللهم زد وبارك، يعنى تصرف مليون تحصد عشرة.

عجبا من العجب العجاب، تكاثر الجمعيات يصدق عليها تكاثر الأرانب، الأرنبة تستمر فى الإنجاب لمدة أربع سنوات، ويمكن أن تضع فى الولادة الواحدة 12 أرنبًا، فيه شبه بين الجمعيات والأرانب فى توالدها!.

 

بخلاف الجمعيات العشر المبشرة بالتبرعات، هناك عشرات الآلاف من الجمعيات تترجى الله فى حق غموس العيش الحاف، احتكار التبرعات أخطر أشكال الاحتكارات، أخطر من احتكار الحديد، الجمعيات تعملقت وصارت احتكارية، يستوجب مراعاة الجمعيات الضعيفة والكسيرة.

 

تخيل مستشفى العباسية، هو المستشفى الوحيد الذى لم يطلب تبرعات فى رمضان، ولو طلبها لن يتحصل عليها، الزكوات والتبرعات تمت مصادرتها سلفا، بحيرة التبرعات نشفت، نُزِحَت، للأسف مثل هذه المقالات كما «العايط فى الفايت نقصان عقل»، المعنى البكاء على التبرعات قلة عقل!!.

نقلا عن المصرى اليوم