نيفين سوريال
الإنسان بطبيعته قد يميل إلى التسرع في إصدار الأحكام دون التروي والتفكير العميق، مما قد يؤدي إلى ظلم الآخرين أو اتخاذ قرارات خاطئة تضر به وبمن حوله. يقدم الكتاب المقدس، في العهدين القديم والجديد، تحذيرات واضحة ضد التسرع في الحكم، ويدعو إلى التأني والحكمة كفضيلة إلهية يجب أن يتحلى بها المؤمن.
أولًا: التحذير من التسرع في الحكم في العهد القديم
يُعتبر العهد القديم مليئًا بالأمثلة التي تحث على التروي في الحكم وتجنب الاندفاع. في سفر الأمثال 18:13 نجد هذا التحذير الواضح: “من يجيب عن أمر قبل أن يسمعه فذاك حماقة له وخزي.”
هذا النص يؤكد أن الاستعجال في إطلاق الأحكام دون فهم الموضوع جيدًا يؤدي إلى الحماقة والندم لاحقًا.
كما يحذر سفر الجامعة 7:9 من سرعة الغضب والتسرع في ردود الأفعال:
“لا تسرع بروحك إلى الغضب، لأن الغضب يستقر في حضن الجهال.”
فالغضب السريع كثيرًا ما يكون نتيجة حكم متسرع وغير متزن، وقد يقود الإنسان إلى قرارات غير صائبة.
ومن التحذيرات المهمة ضد التسرع في الحكم ما جاء في سفر الأمثال 17:15: “المبرئ المذنب والمذنب البريء كلاهما مكرهة الرب.”
وهذا يؤكد أن إصدار أحكام خاطئة، سواء بتبرئة الظالم أو إدانة البريء، هو أمر مرفوض من الله ويؤدي إلى الفساد والظلم في المجتمع.
ثانيًا: تعاليم العهد الجديد عن التسرع في الحكم
جاءت تعاليم المسيح في العهد الجديد لترسخ مفهوم التأني والتسامح، محذرة من إصدار الأحكام المتسرعة. في إنجيل متى 7:1-2 يقول المسيح: “لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.”
هذا النص يؤكد أن التسرع في الحكم على الآخرين قد يعود على صاحبه بنفس المكيال، ما يستوجب التأني والرحمة قبل إصدار أي حكم.
كذلك يحث يعقوب 1:19 على التريث قبل الكلام أو الغضب: “ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب.”
فالتأني في الاستماع والتفكير قبل النطق بالحكم هو علامة على الحكمة والنضج الروحي.
ويحذر الرسول بولس في 1 كورنثوس 6:9-10 من العواقب الخطيرة للظلم والتسرع في الأحكام الجائرة: “أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور، ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله.”
فهذه الآية تؤكد أن الظلم، وهو أحد نتائج التسرع في الحكم، يمنع الإنسان من وراثة ملكوت الله، مما يظهر خطورة الأمر روحيًا وأخلاقيًا.
أهمية التروي في الحكم
يؤدي التأني في الحكم إلى:
1.تفادي الظلم: عدم التسرع يمنح الإنسان الفرصة لجمع المعلومات الكافية قبل اتخاذ أي قرار.
2.نشر السلام والتفاهم: القرارات الحكيمة تؤدي إلى بناء علاقات صحية، بينما الأحكام المتسرعة قد تسبب النزاعات.
3.نيل الحكمة الإلهية: التأني يمنح الإنسان فرصة لطلب مشيئة الله والتوجيه الإلهي قبل التصرف.
خاتمة
التسرع في الحكم قد يكون سببًا في العديد من المشاكل والأخطاء والندم، لذلك تدعونا كلمة الرب إلى التأني والتفكير بحكمة قبل إصدار الأحكام. التأني ليس فقط علامة على الذكاء والحكمة، بل هو أيضًا فضيلة من الرب تعكس رحمته وعدله. فليكن هدفنا دائمًا أن نتصرف بحكمة وروية، طالبين الإرشاد الإلهي في كل قرار نتخذه.