ماهر عزيز
.
من سخريات القدر أن صار - منذ زمن - مفوضا من قبل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للقيام علي شئون وضع وإصدار قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين .. القانون الذي يختص أساسا بالحكم في قضايا المتزوجين وأحوالهم ومشاكلهم ، كما يتحكم في حياتهم كلها تحكما مصيريا  ..  صار مفوضا عليه من الكنيسة رجل أعزب ساقته مقادير عابثة أو ضالة أو ظالمة إلي أحد الأديرة فترة محدودة من الوقت ، ليقفز منه - في غفلة من الزمن - علي كرسي الأسقفية ، ويكون هو الوجه الأوحد الذي فوضه بابا القبط  الأرثوذكس بمصر في وقت عصيب من حياة الوطن والشعب ، ليقوم بمهمة  مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - التي هي كنيسة ما يربو علي 80% من مسيحيي مصر - إلي لجنة الخمسين ، التي وضعت الدستور المصري بعد هوجة 25 يناير ، فإذا به يتحدي إرادة كل مسيحيي مصر ،  ويخون  اختيارهم للدولة المدنية ،  فيقف بكل قوة مع إقرار البنود في الدستور التي كرست للدولة الدينية من أوسع أبوابها ..  ..
 
ثم لا تلبث المقادير أن تزيد في سخريتها ، فلا يكون إلا هذا الأسقف عينه - الذي صار مطرانا فيما بعد - هو الوجه الذي يدفع به بابا الأقباط الأرثوذكس الجديد للمرة الثانية - للهيمنة علي وضع قانون الأحوال الشخصية الحديث للمسيحيين ، الذي تحول بين يديه إلي خطر يحيق بالشعب المسيحي كله .
 
هذه النسخة الجديدة من قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ، تم وضعها ضد كل مبادئ الديمقراطية والشفافية والعلن في تكتم شديد ، بواسطة لجنة ضمت ممثلين عن جميع كنائس الطوائف المسيحية بمصر ، ثم حدث بمقتضي ادعائية رخيصة تلفيق عملية صورية  للمناقشة الجماهيرية ، تم فيها اختيار أشخاص معينين ، وزعت عليهم أسئلة محددة لطرحها في اجتماع المناقشة المزعوم  ،  وانتهت بذلك صورة ديكتاتورية هزلية لمناقشة مشروع القانون ، الذي ترك علي هواهم ضد أمان المسيحيين بمصر .
 
أهم الألغام التي ينطوي عليها القانون ترتبط  ببعض حالات الطلاق وفقا للقواعد المسيحية .
 
فالمسيحية تقيد الطلاق بوقوع الزني بحسب أقوال السيد المسيح ، والقانون في نصه الحالي قد أقر بحالات بعينها يجوز فيها التطليق ، غير حالة وقوع ذات الفعل ، مثل قيام الزواج علي خديعة لا تتضح أبعادها إلا بعد تمامه ، فتبطل الخديعة صحة الزواج ، والمفترض أن الخديعة هنا هي المقابل الموضوعي للزني .. فمن الصحيح حتما أن الخديعة هي كسر عهد الزواج ، وكسر العهد هو خيانة العهد ، أي خيانة عهد الزواج ..  والخيانة هي الزني بحسب التعريف الكتابي في الكتاب المقدس ،  فتكون الخديعة هي زني الروح أو زني الضمير ، وتكون بذلك مستوجبة للطلاق .
 
لكن هذا المفهوم يغيب عن نص القانون حال وقوع المعاملة الوحشية التي تستحيل معها الحياة الزوجية ، وهي الحالة الأكثر انتشارا بين الأقباط ، التي تحتاج إنقاذا عاجلا لا يبطئ  بالحكم الصريح باستحقاق الطلاق ، أو التطليق .
 
يتراجع واضعو القانون في استخذاء مشين ويعودون مرة أخري للتردد والنكوص ،  فيتعامون عن المعني الحقيقي للزني بحسب الكتاب المقدس وهو خيانة عهد الزواج .
 
ينطوي عهد الزواج الذي يتلوه الكاهن أثناء قداس الإكليل لعقد القران المسيحي علي خمس وصايا جوهرية لكل من العروسين ، إذا ما خانها أحد الزوجين يكون قد زني بشريكه  زني روحيا هو أبشع كثيرا من زني الجسد بذات الفعل .
 
يقر القانون في حالة استحالة العشرة - التي  يكسر فيها عهد الزواج كله كسرا نهائيا -  بانفصال الزوجين دون تطليقهما ، ما يترتب عليه ظلم فادح ، وحياة شاذة معلقة لا هي زواج ولا هي طلاق ، مما يضطر الزوجة في معظم الحالات إلي الهروب نهائيا ،  وتغيير الدين ، والخروج من المسيحية كلها ، فرارا من العذاب الذي يضيع الحياة علي هذا الوضع المعلق القاتل .
 
تخاذل مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن الأمانة الواجبة تجاه الشعب المسيحي ، فعلق الحياة في حالة استحالة العشرة بانفصال الطرفين دون تطليقهما ، الذي هو في حقيقته موت بالحيا ، ولم يمنح الطلاق صريحا بما يتيح استمرار الحياة مرة أخري لكل من الطرفين ، مع ما يرتبط به من تسوية عادلة بشأن الأطفال والنفقة .
 
حدث ذلك بينما في الوقت نفسه أقر مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالطلاق أو التطليق كاملا في حال بدعة مستحدثة ،  لامعقولة ، غريبة جدا عن نص الكتاب المقدس وروحه ، تفتق عنها تفكير شاذ لا يمكن قبوله ، بما أسموه : " الزني الحكمي" ، أي أنه يحتسب كالزنا المستوجب الطلاق أو التطليق ، رغم أنه بعيد عن الزني بمفهومه الذي يصرون عليه ، كالمكالمات التليفونية ، والأحاديث عن بعد بواسطة أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي .
 
الحق إن المفارقة صارخة ، فهو يقبل بالطلاق أو التطليق في حالات التواصل عن بعد ، ولا يقبل بالطلاق أو التطليق في حالة استحالة العشرة ، ما يشي بعقل مشوه ، وخبرة مبتورة بالحياة .
 
لغم آخر أو تشوه ثان في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين .. ألا وهو المرتبط "بالتبني" . 
 
فلقد اتفقت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مع كنائس باقي الطوائف بمصر علي اصطناع مجاملة خرقاء للمؤسسة الدينية الإسلامية ،   وللدولة أيضا ، ليست مطلوبة علي الإطلاق ، ولا تنتظرها المؤسسة الدينية الإسلامية ولا الدولة ، ألا وهي إلغاء التبني من القانون إلغاء باتا .
 
لا يعترف قانون الأحوال الشخصية للمسلمين بالتبني ، وبالتالي فالتبني منعدم تماما في التشريع الاسلامي ، لكن التبني في المسيحية هو قبول جوهري بصميم الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية ، لأن الجميع في المسيح صاروا أولادا لله بالتبني ، كما ينطوي التبني علي أبعاد إنسانية  سامية نادت بها رسالة المسيح ، ولا يمكن لبابا أو مطران أو أسقف أو أي إكليروس - كائنا من كان - أن يجسر ويلغي التبني من التشريع المسيحي .
 
وفي بلد يقر دستوره في المادة الثالثة منه أن للمسيحيين أن يحتكموا في شئونهم لشرائعهم الخاصة ، لا يمكن أن تنتظر المؤسسة الدينية الإسلامية في الدولة ، أو تنتظر الدولة نفسها ، أي مجاملة خرقاء من قبل المؤسسة الدينية المسيحية ، فإذا فعلت المؤسسة الدينية المسيحية ذلك تكون قد تنكرت لإنجيل المسيح ، ويكون ذلك منها تزيدا مريبا هو العبث الذي لا يصدقه عقل .
 
تكبر المسئول الكنسي ومن يقفون خلفه علي اللائحة 38 التي برئت من هذه العورات والنقائص والمثالب والألغام ، وكانت جهدا قانونيا مكتملا نزيها لحياة صالحة كريمة للمسيحيين ، وضعته لجنة محترمة من أراخنة كبار مختبرين ، كان منهم العظيم حبيب المصري ، والعظيم حبيب جرجس ، الذي رفعته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلي مقام القديسين ، ويذكر اسمه في جميع القداسات أثناء الصلاة آلاف المرات يوميا في جميع الكنائس ، ما يجعل من اللائحة 38 ذات منزلة رفيعة في التشريع الكنسي ، كان يتحتم عليهم أن يقتدوا بحكمتها وشجاعتها ونزاهتها وخلوها من العثرات .
.