إعداد/ ماجد كامل
كنت قد كتبت سابقا مقال توثيقي شبه كامل عن وقائع وأحداث ظهور السيدة العذراءفوق قباب كنيستها بالزيتون مدعوما من خلال الكتب والمجلات التي توفرت لدي ، ولكني اليوم سوف أحاول أن أعصر ذاكرتي لكي أتذكر بعض ما ثبت فيها من ذكريات تلك الأيام والليالي الجميلة كما عايشتها بنفسي ، وذلك بحكم سكني بالقرب من الكنيسة وقثها ( ونشكر الله ما زلت أسكن بالقرب منها ) . وفي هذا المقال  لن أستعين باي كتب أو مراجع ، لكني سأعتمد على ذاكرتي الشخصية  فقط .

1-أول مرة أسمع  فيها عن هذا الظهور ،  عندما عاد أخي الأوسط ذات ليلة من الكنيسة ، وقال لنا أنه سمع أنه حدثت معجزة كبيرة في الكنيسة ، ذلك أن أحدى صور الكنيسة قد تحركت ( كما سمع وقتها ) . وبالطبع كانت بالنسبة لي ليلة رعب بالنسبة لمشاعر صبي في الثامنة من عمره ، كيف يمكن للصورة أن تتحرك ؟؟؟ . لم أستطع النوم ليلتها من شدة الرعب .

2-ومرت الأيام ونسينا القصة برمتها ، وفي ذات يوم كنا في الكنيسة ، وسمعنا أحدى السيدات تتحدث مع بعض صديقاتها عن ظهور العذراء بالكنيسة ، فتوجهت والدتي إليها بالسؤال طالبة منها ذكر تفاصيل ما شاهدت  ، فاخذت تروي لها الظهور كما شاهدته ، ومما  أذكره من  بين العبارات التي قالتها " أنها كانت تتحرك فوق القبة بألوان جميلة جدا " .

3-ذات ليلة قررت الأسرة أن تتوجه للكنيسة لمشاهدة الظهور بنفسها ، وكنت معهم ، وأخذ الناس يهتفون ويصفقون " أهي أهي " مع الزغاريد العالية ، وأنا  أصرخ " فين يا ماما ؟ فين يا ماما ؟ . مش شابف حاجة " . وللأسف لم أرى شيئا يومها .

4-في أحدى الليالي ، كان أخويا الكبيرين في الكنيسة ، وكان يوم خميس  وكانت  خالتنا تزورنا  يومها ، وفجأة  جاءا مسرعين مهرولين وهم يصرخون " تعالوا الحقوا ، دي العدرا ظاهرة دلوقتي في الكنيسة " . فأسرعنا جميعا بالتوجه للكنيسة ، وأذكر أنه طوال المسافة من البيت للكنيسة  كانت الوالدة تجري وتجرني معها ، وهي  تصرخ " بسرعة يا ماجد قبل ما تختفي " . وكان يجري معنا طوفان من البشر سمعوا عن  الظهور مثلنا ، وتوجهنا إلى حارة خليل بجوار الكنيسة ، ويالبهاء وجمال ما رأينا يومها  ، طيف العذراء بالجحم الكامل ، واقفة خلف الشجرة التي كانت  بالكنيسة وقتها ،  وبألوان زاهية جميلة جدا ، ما زلت أذكر منها الطرحة الزرقاء وكف يدها وهي تبارك الجموع ، وتحت كفها لمحت رؤوس ملائكة صغيرة ، ولقد كان الزحام رهيبا يومها ، والحارة ضيقة جدا ،  حتى كدت أن أختنق من شدة الزحام ، وما زلت أذكر جيدا أن خادم الأسرة ( وهو بالمناسبة غير مسيحي ) ، حملني فوق أحد كتفيه ، بينما حمل على الكتف الثانية أبنة  خالتي ، وكان يصرخ معنا  متهللا وهو يقول "  أيوة هي دي ستنا مريم ، هي دي ستنا مريم "  . ومما يدمي قلبي أن هذه الشجرة وكل الشجر الموجود بالكنيسة قد قطع بمعرفة لجان الإتحاد الاشتراكي  وقتها بدعوى أنه يحجب الظهور .

5-في ليلة أخرى ، فوجئنا بجارتنا تطرق باب شقتنا ، وهي تصرخ وتقول " تعالوا ألحقوا ، دي العدرا ظاهرة دلوقتي من فوق  سطح العمارة ، وصعدنا إلى هناك ، وكل ما  أذكره يومها أني شاهدت الكنيسة مضاءة بأضواء شديدة مبهرة ، ولمحت ضوء بيضاوي صغير يلف حول القباب ، ولكني  للأمانة لم أستطع تمييز ملامحه بدقة .

6-من الليالي الجميلة التي أذكرها أيضا ، أني توجهت للكنيسة مع  جدي ، وكانت الكنيسة قد بدأت في توفير كراسي للجلوس لمن  لا يستطيع   الوقوف طويلا ، وكنت متكيء على حجر جدي ، وعيني شاخصة إلى السماء . وفجاة لمحت سرب حمام كبير يرفرف فوق الكنيسة ، وبسرعة تنبه الحضور لهذا السرب ، وأخذوا يصفقون ويهتفون ، وبعد أن أختفى لم تمر إلا ثواني وشاهدنا نجما منيرا  مسرعا يخترق عنان السماء ، ثم أختفى بسرعة .

7-وتمر الأيام ، وفي ذات ليلة كنت في الكنيسة مع أخوتي ، وكانت أذني تؤلمني بشدة ، وأخذت  أطلب من أخي الأكبر " انا تعبان عاوز أروح " وهو يقول  لي " أصبر شوية " ، فسلمت أمري إلى الله ، وبينما وأنا نائم على الكرسي  ومتألم من أذني ، وعيني شاخصة إلى السماء ، فوجئت بالسحاب ينير ويتكثف على شكل طيف للست العدرا ، يشبه تماما التمثال الفوسفوري الصغير الذي يحتفظ به والدي في حجرتهما ، وعندما شعر الحضور بالمنظر ، أخذوا يهتفون ويصرخون كالعادة ، ثم فجأة  تخلخل الطيف وأنطفىء ضوء السحاب المنير .

8-في ذكرى  احتفالات الكنيسة بمرور عامين على تجلي السيدة العذراء ، أقامت الكنيسة أحتفالا كبيرا  يوم الخميس 2 أبريل 1970 ، وقسمت تذاكر الحفل إلى أربع فئات :

أ‌- الفئة الأولى جنيه (لاحظ عزيزي القاريء أنني أتحدث عن أسعار عام 1970 ، وكان الجنيه مبلغ ضخم في ذلك  الوقت ) ، وتجلس أمام منصة الحفل الرئيسية التي أقيمت خصيصا في شارع طومنباي ، ولها حق الاستمتاع بفقرات الحفل من كورال وأفلام تسجيلية ، وكلمات الآباء المطارنة الحاضرين .

ب‌- الفئة الثانية خمسين قرشا ، وتقع بزاوية جانبية من المنصة الرئيسة ، بحيث يمكنها متابعة فقرات الحفل ، ولكن ليس بنفس الوضوح الذي يتيحه لمن يجلس في الفئة الاولى .

ت‌-  الفئة الثالثة  25 قرش ، وكانت تجلس بحارة خليل ، وطبعا لن يتاح لها  متابعة أي شيء من فقرات الحفل .

ث‌- الفئة الرابعة والاخيرة 15 قرش ، وتجلس في النصف الثاني من حارة خليل ، وهذه الفئة أيضا لن يتاح لها متابعة الحفل إطلاقا .

وقررنا نحن شباب  وصبيان العائلة ،  أخوتي وأولاد وبنات  عمومتي ، أن نجلس في فئة ال 15 قرش ، وكان كل تسليتنا   الوحيدة المتاحة هي أن  نرتل ونسبح مع جموع الحاضرين ، وفي حوالي العاشرة مساء تقريبا ، ظهرت طيف السيدة العذراء على شكل تمثال نصفي  داخل القبة الصغرى التي تقع أمام حارة خليل ( وهي تقع في مواجهة نادي الكنيسة حاليا ) . وأخذنا نهتف ونصرخ " السلام لك يا عدرا " ، ومع أشتداد الهتاف والتصفيق ، فوجئنا بطيف التمثال  النصفي ، يتحرك من تجويف القبة ، ويسير حتى يصل إلى  الشرفة ، ولقد أتاح هذا التحرك   للجالسين في فئة الخمسة وعشرين قرشا ، أن يشاهدوا بعض من الظهور . وهكذا أفتقدت السيدة العذراء الفقراء المساكين أخوة الرب الذين حرموا من  فقرات الحفل الرئيسية ، بظهور خاص مميز لهم ( تستطيع عزيزي القاريء أن تتابع وقائع هذا اليوم المبارك في أرشيف جريدة وطني يوم الأحد 5 أبريل ، ولقد قمنا بتصويره حديثا خصصيا لموقع الكنيسة لتوثيق وقائع  الظهور بناء على طليهم ، ويمكنك الإطلاع على الأرشيف في قاعة الدوريات بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ) .

9- تٍسألونني عن الترانيم التي كنا نرتل بها أثناء  ترقب الظهور ، وبالطبع أشهر ترتيلة هي " العدرا معانا  ، في الزيتون جيانا ، فرحت قلوبنا بوجودها معانا ، يا عدرا يا أم النور أملينا فرح وسرور ، يللا أظهري يللا طلي بنورك طلة " . وأيضا ترتيلة "رشوا الورد يا صبابا ، رشوا الورد مع الياسمين ،رشوا الورد وغنوا معايا ، دي العدرا زمانها جاية "  ، وترتيلة " مجد مريم يتعظم في المشارق والمغارب " ، وترتيلة " يا من عطيت أشرف عطية ، يا من بعت لك يا مريم روحه هدية ، به فرحنا به نجحنا ، به انتصرنا يا مريم وكسبنا القضية "  . ومن المدائح الشعبية المستمدة من الفولكلور المصري " حمامة طارت في الجو احتارت ، رجعت وقالت دي  العدرا بانت " .  ،  وترنيمة " يا سائح لقاء يسوع  ،  لا يهمك عطش ولا جوع  ، طعامك خبز الحياة ،ويرويك ماء الينبوع  " ،  ولقد تحرفت  قليلا لتصبح "يا مسافر للقا أم النور ، ها تلاقي فرح وسرور ، عن يمينك يظهر نور ، يظهر بعده حمام وبخور " . كانت جموع الحاضرين هي التي ترتل بنفسها في الأيام الأولى للظهور، ثم بعد فترة أقامت الكنيسة ما عرف وقتها  ب"الأذاعة الداخلية " ، وكانت تذيع تسجيلات المعهد الفرعوني  للموسيقى القبطية بقيادة  الفنان ملاك عريان . وبالطبع كان الشعب يرتل معهم .

10- تسألونني عن الكتب التي كتبت عن الظهور ، لعل أول كتاب ظهر هو كتاب " العذراء في  الزيتون ،تقرير عن وقائع الظهور المتوالي للسيدة العذراء أم  النور ، لنيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي ، وفي نفس الفترة تقريبا ، ظهر كتاب نور من السماء " إعداد "صادق عزيز " و"جرجس موسى " ، و"وجيه رزق " . وكتب مقدمة الكتاب نيافة الحبر الجليل الأنبا شنودة أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية ( المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث فيما بعد ) .  ثم  توالت بقية الكتب تباعا ، ويقوم موقع الكنيسة حاليا بتوثيق أهم الكتب التي ظهرت عن هذا الحدث التاريخي   بجميع اللغات الحية .

10-أخر مرة شاهدت فيها ظهورات نورانية في الزيتون ، كانت أثناء أحتفالات  الكنيسة ب 2 أبريل عام 1973 إذا ما أسعفتني الذاكرة ، وكانت الكنيسة تسد شارع طومنباي بالكامل يومها ، وتقيم صوان في الشارع ، وحضر  الحفل  حضرة صاحب القداسة المتنيح البابا شنودة الثالث ، وكان حاضر الحفل أيضا  المتنيح غبطة الكاردينال أسطفانوس الأول بطريرك الأقباط الكاثوليك في ذلك الوقت ، وأثناء الحفل شاهدنا سرب حمام أبيض جميل يطوف حول جموع الحاضرين لهذا الحفل ، ولقد ترقبت  طريقة اختفاء الطيف من أمامي ، وكان الطيف على شكل كائنات نورانية تشبه الحمام ، وفجأة تخللت هذه الكائنات النورانية ،  وذاب الطيف في الهواء .

وبعد – عزيزي القاري- هذه هي شهادتي عن ظهور العذراء بالزيتون  ،وهي شهادة صبي في الثامنة من العمر ، أعتذر  إن كانت الذاكرة خاتني في بعض التفاصيل ، أو أن كنت قد نسيت شيئا ، ولكن والرب شاهد علي  أني كنت حريص على ذكر ما شاهدت ورأيت بنفسي  بقدر المستطاع ،  وإن كانت سعادتي بهذه اللحظات البسيطة  التي سعدت فيها ببعض طيفها على الأرض ، فكم وكم تكون سعادتي إن سمح لي الرب وكان لي نصيب برؤيتها في السماء ، بركة شفاعتها تكون مع الجميع أمين .