الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
إن كان الروح القدس هو "الربّ المحيي"، فكيف لا يكون حضوره فعلَ تحرير؟ كيف لا يكون نَفَسًا يهبّ حيث يوجد الظلم، فيوقظ المقهورين، ويجعلهم شهودًا للعدالة؟ إنّ اللاهوت والروحانية، في عمقهما، ليسا إلا امتدادًا لحركة الروح في التاريخ، ذاك الذي يقيم المظلوم من رماده، ويمنحه صوتًا في عالم يحاول أن يسلبه إنسانيته.
روح العدالة: حضور الله في التاريخ
يعلن الكتاب المقدس أن الله ليس إلهًا محايدًا، بل هو إلهٌ يصغي إلى أنين شعبه، كما قال لموسى: «إني قد رأيت مذلة شعبي... وسمعت صراخهم» (خروج ٣: ٧). فالروح الذي نفخ الحياة في الإنسان الأول، هو ذاته الذي ينفخ حياةً جديدة في كل من يرزح تحت نير الظلم. وأيضًا تعليم الكنيسة الاجتماعي لا يتحدث عن العدالة على أنه مفهومٌ نظري، بل دعوةٌ ملموسة إلى تغيير البنى الظالمة. يقول البابا فرنسيس في "فرح الإنجيل: «لا يمكننا أن نبقى غير مبالين أمام مظالم العالم... الروح القدس يقودنا إلى ضفاف جديدة، حيث يُسمَع صراخ الفقراء، ويُحرَّك قلب الكنيسة لتكون صوتًا لمن لا صوت لهم."
كم مرة حُوصرنا داخل أنظمة قمعية، جعلت "الحرّيّة" كلمة محفوفة بالمخاطر؟ كم مرة أُفرِغ الدين من مضمونه النبويّ، ليصبح أداة تبرير للسلطة بدلًا من أن يكون دعوة للتحرير؟ لكن، الروح القدس لا يعرف القيود. إنه الريح التي لا يمكن احتجازها، النَفَس الذي يوقظ الشعوب، تمامًا كما أيقظ تلاميذ العنصرة، وجعلهم شهودًا لا يخافون. يقول بولس الرسول: «حيث يكون روح الرب، هناك تكون الحرّيّة» (٢ كورنثوس ٣: ١٧). هذه ليست حرّيّةً فردية محصورة في الضمير، بل حرّيّة شعبية، تحطّم الأغلال، وتعيد ترتيب العلاقات على أساس الأخوّة، لا الهيمنة.
الروح بين صرخات الفقراء
في مجتمعاتنا، حيث يتحالف الدين مع السلطة أحيانًا ليبرّر الصمت، تظهر الروحانية الحقيقيّة لتعيد الأمور إلى نصابها. الروح القدس لا يقبل أن يكون أداة في يد القاهر، بل هو نَفَس الذين "يجوعون ويعطشون إلى البرّ". وأيضًا التعليم الاجتماعي للكنيسة، المتجذّر في تقاليد الآباء الشرقيين، لا يفصل بين الروحانية والعدالة الاجتماعية. فالقديس يوحنا ذهبي الفم لم يكن يميّز بين الإفخارستيا وخدمة الفقراء، إذ قال بوضوح: "أتريد أن تكرم جسد المسيح؟ لا تهمله حين يكون عاريًا في الشوارع!"
إذا كان الصليب هو ذروة الظلم، فالقيامة هي إعلان انتصار العدالة الإلهية. كل حركة تحرّرية تجد جذورها في هذا السرّ: الروح القدس، الذي أقام المسيح من بين الأموات، هو ذاته الذي يقيم الشعوب من مذلّتها. عندما تهبّ هذه النسمة، لن تبقى الضحية صامتة، ولن يكون المصلوب مجهول الاسم. الروح القدس سيمنح ميكروفون التاريخ لهم، ليعلنوا بشرى الحياة، حتى في أكثر الأوضاع ظلمة.
تعالَ أيها الروح القدس، وكن صوت الصامتين، ونَفَس الحرّيّة، ورجاء المقهورين!