محرر الأقباط متحدون
شارك أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين في جلسة افتتاح الجمعية العامة للجنان المجالس الأسقفية في الاتحاد الأوروبي التي التأمت في مدينة نيمي الإيطالية، وألقى مداخلة تطرق فيها إلى رسالة الكنيسة في أوروبا وعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي، في إطار متطلبات الدفاع والتضامن مع الشعب الأوكراني، والهجرة والحرية الدينية.
استهل نيافته كلمته مشيرا إلى ضرورة أن تعي أوروبا اليوم دورها ومسؤولياتها تجاه هذا العالم، دون أن تستسلم إلى المنطق الدفاعي الذي يرتكز إلى التسلح وحسب والذي يقود بدوره إلى الانغلاق وإلى صراعات جديدة. وشدد على أن التفكير في خير أوروبا لا يستثني التفكير في خير البشرية كلها، وبالتالي لا ينبغي أن نغض الطرف عن الالتزامات الخلقية شأن توفير المساعدات الإنسانية والإسهام في تنمية البلدان الفقيرة، وضمان احترام حقوق الإنسان وحماية البيئة. وذكّر في هذا السياق بأنه توجد اليوم العديد من المنظمات الإنسانية، من بينها منظمات كاثوليكية، رفعت صوتها لتندد بالتراجع الملحوظ في الأموال المخصصة للمشاريع الإنسانية.
في معرض حديثه عن الأوضاع الراهنة في أوروبا قال الكاردينال بارولين إن القارة التي حثّها البابا فرنسيس، في أعقاب الجائحة، على السير في درب الأخوة، تجد نفسها اليوم في خضم أزمة تواجهها المنظومة العالمية المرتكزة إلى التعاون بين الدول ومبدأ تعددية الأطراف، في وقت يسود فيه منطق الفردانية والهيمنة. فيما يتعلق بالحرب الدائرة في أوكرانيا في أعقاب الغزو الروسي، ذكّر نيافته بأن الكرسي الرسولي، بالإضافة إلى الأساقفة الأوروبيين، دعا إلى حل تفاوضي يقود إلى سلام عادل ودائم، في إطار احترام القانون الدولي والعمل المشترك من أجل إعادة الإعمار. وشدد على ضرورة أن تقف أوروبا إلى جانب الشعب الأوكراني الذي تعرض للعدوان، مشجعاً في الوقت نفسه الطرفين المتنازعين والجماعة الدولية على السعي، بدون مماطلة، للتوصل إلى حلّ عادل.
إزاء التغيرات السياسية التي شهدتها عدة بلدان في أوروبا، شجع أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الأساقفة الأوروبيين على العمل من أجل الحوار المنفتح والصادق مع القوى السياسية كافة، والتعاون لصالح الخير العام واحترام استقلالية العمل السياسي. وذكّر أيضا بضرورة أن تلتزم الكنيسة في الدفاع عن الحياة وعن العائلة المرتكزة إلى الزواج بين الرجل والمرأة، فضلا عن حرية التعليم واحترام كرامة الشخص البشري، لاسيما الأشخاص الضعفاء، بما في ذلك الشبان والمسنون والعاطلون عن العمل والمهاجرون وطالبو اللجوء. وطلب نيافته من الأساقفة الأوروبيين أن يطلقوا مبادرات تهدف إلى توعية المواطنين على القيم المسيحية التي ساهمت في نشأة الجماعات الأوروبية، وإلى تنشئة الكاثوليك الملتزمين في العمل السياسي. وشجعهم أيضا على مطالبة الساسة الكاثوليك في القيام بنشاطهم بشكل ينسجم مع قناعاتهم وإيمانهم، متخطين المنطق الحزبي البحت.
فيما يتعلق بموضوع الهجرة ذكّر بارولين بأن البابا فرنسيس يطلب منا توفير الضيافة للمهاجرين ومرافقتهم والعمل على دمجهم في المجتمع، خصوصا وأنهم أشخاص يبحثون عن مستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم. وأمل في هذا السياق أن تتميز السياسات الأوروبية حول الهجرة بالتضامن واحترام حقوق الإنسان والسخاء، دون أن يُغض النظر عن المسائل الأمنية. ومن هذا المنطلق لا بد أن تقيم المجالس الأسقفية الأوروبية حواراً مع المؤسسات كي يُنظر دائماً إلى المهاجر على أنه كائن بشري لديه آماله وتطلعاته ومشاكله ومآسيه، لا كمجرد عدد.
في الختام تطرق أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان إلى حدثين كنسيين يكتسبان أهمية على صعيد رسالة الكنيسة في أوروبا. أولاً السينودس حول السينودسية، مشيرا إلى الجمعية القارية الأوروبية التي التأمت في شباط فبراير ٢٠٢٣، وسلطت الضوء على رسالة الكنيسة لصالح احترام الكرامة البشرية والحرية والديمقراطية وتكافؤ الفرص ودولة القانون والعدالة والتضامن والمساواة بين الجنسين. أما الحدث الثاني، فهو يوبيل الرجاء مذكرا بأن العالم وأوروبا يحتاجان إلى الانفتاح مجدداً على الرجاء الذي يلبي فعلاً الرغبة العميقة في قلب الإنسان، ألا وهي الرغبة في لقاء الله. هذا ولفت بارولين إلى أن يسوع المسيح الحي داخل الكنيسة هو ينبوع الرجاء الحقيقي، ومن واجب الكنيسة اليوم أن تقترح مجدداً على القارة القديمة هذا الإعلان السار الذي يبدو أنها فقدته.