الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

المرحلة الرابعة عشرة: نسير في ظلال الموت
 
«فأخذ يوسف الجسد ولفّه في كتّان نقيّة، ووضعه في قبر»
(إنجيل متّى  27: 59)
 
موضوع التأمّل: إلى الأرض نعود
مِنالأرض '> رحم الأرض خُلِقنا، وإليها نعود؛ فالأرض ليست مجرّد تربة نخطّ عليها خطواتنا، بل هي أمّنا الحانية التي تحتضننا وتُعطي حياتنا معانيها العميقة. إنّ هذه الحقيقة التي أعلناها منذ القدم تُذكّرنا بأنّ الحياة والموت ليسا نهايتين منفصلتين، بل هما دورتان متلازمتان تُظهِران حكمة الخالق الذي أعاد تشكيل الكائنات في دورة لا تنقطع.
 
في هذا المشهد المهيب، يُذَكِّرنا موت المسيح على الصليب بأنّ الوجود الإنساني ليس نهايةً، بل هو انتقال إلى حالةٍ أسمى. فقد اختار المسيح أن يمضي في طريقه إلى الموت بإرادته المطلقة، متمسكًا بكلمته التي لا تتبدد، كما أقرّ البابا بندكتوس: «لم يغيّر المسيح أقوله، لأنه هو نفسه الكلمة». هنا نلمس عمقًا لاهوتيًا يكشف عن وحدة الإله في الوجود؛ فالموت ليس فقدانًا للحياة، بل هو إعادة ترتيبٍ للأولويات، حيث يعلو روح الرجاء على مآسي الزمن.
 
إنّ لفّ الجسد في كتّان نقيّة ووضعه في قبر ليس إلا رمزًا لاستسلام المسيح لمشيئة الآب، وفي الوقت ذاته إعلانٌ عن سر القيامة؛ إذ يحمل هذا الفعل رسالةً لاهوتية تقول: «رغم ظلال الموت، فإن الحياة تتجدد بقدرة الله». فكما أن الأرض التي أنبتتنا تستمر في عطائها رغم تعرّيها وتجردها من الزينة، كذلك الإنسان مهما واجه الموت وظلام الفناء، فإنه يحمل في جوهره بذرة الرجاء التي لا تنطفئ.
 
يحثّنا هذا المشهد على رؤية الموت من منظورٍ مختلف؛ فهو ليس عدوًا يُفرقنا عن إلهنا، بل هو بابٌ نحو التجديد، وهو دعوة للعودة إلى المصدر الحقيقي للوجود، إلى الأرض التي خلقنا منها وإليها نعود. فالمسيح الذي انغمس جسده في قبرٍ نقيّ، يذكرنا بأن الحياة الحقيقية تبدأ حين نتخلى عن تزيين الأمور بظواهر زائفة، ونواجه واقعنا بكل شجاعة وإيمان بأن في كل ظلمة ينبثق نور الرجاء.
 
هكذا، وفي ظل هذه الرؤية اللاهوتية العميقة، يصبح موت المسيح رمزًا للتحول والبعث؛ إنه دعوة لكل من يسير في ظلال الموت أن لا يستسلم لليأس، بل يجد في العودة إلى الأرض – وإلى مصدر خلقه – ملامح الحياة التي تتحدى الموت، وتبعث في النفوس أملًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
الرسومات للفنان الأرجنتينيّ: آدولفو إسكويبيل Adolfo Pérez Esquivel