وطنية الكنيسة المصرية فى العصر الحديث
اشتهرت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بلقب الكنيسة المصرية؛ أو الكنيسة الوطنية؛ فهى الامتداد الطبيعى والوريث الشرعى للحضارة المصرية القديمة كما شهد بذلك وعن حق عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين حين قال «الكنيسة القبطية مجد مصرى قديم؛ ومقوم من مقومات الوطن المصرى. فلابد أن يكون مجدها الحديث ملائما لمجدها القديم». وفى هذا المقال سوف نتتبع بعض الملامح التى تجلت فيها وطنية الكنيسة القبطية؛ وذلك بالقدر الذى تسمح به المساحة المتاحة من المقال.
ففى عصر البابا بطرس السابع والملقب ببطرس الجاولى (1809 ـ 1852) البطريرك الـ108، حدث أن زار مصر مندوب عن قيصر روسيا ليعرض عليه وضع الكنيسة القبطية تحت حمايته، فسأله البابا: «هذا يموت أو لا يموت؟»، فرد عليه مندوب القيصر «بالطبع يموت فكل إنسان لابد أن يموت»، فرد عليه البابا بطرس «اذهب وقل لملكم إننا فى حماية ملك لا يموت». وعندما زار مندوب القيصر الوالى محمد على باشا (1805 ـ 1848) سأله عن أكثر شىء أعجبه فى مصر، فرد عليه: «لم تدهشنى عظمة الأهرامات ولا روعة المسلات قدر ما أدهشتنى عظمة بطريرك الاقباط»، ثم روى عليه ما حدث بينه وبين البابا فأعجب الوالى جدا بموقف البابا وزاره فى مقره البابوى وحياه عليه كثيرا. وفى عهد خليفته البابا كيرلس الرابع (1853 ـ 1861) البطريرك الـ110، والملقب بـ«أبوالإصلاح»، حدث أن ألغى سعيد باشا فرض الجزية على الأقباط، فترتب عليه ضرورة دخولهم الجيش، فأشاع البعض أن البابا كيرلس معترض على هذا، وعندما بلغت مسامعه هذه الأقاويل، غضب جدا وقام بتحرير هذا البيان (يقول البعض أنى طلبت إلى الباشا أن يعفى أولادنا القبط من الخدمة العسكرية، فحاشا لله أن أكون جبانا بهذا المقدار لا أعرف للوطنية قيمة أو أفترى على أعز أبناء الوطن بتجردهم من محبة أوطانهم وعدم الميل لخدمته حق الخدمة والمدافعة عنه فليس هذا ما طلبته ولا ما أطلبه).
وفى عصر البابا كيرلس الخامس (1874 ـ 1927) البطريرك الـ112، حدث أن عرض عليه اللورد كتشنر حماية كنيسة أنجلترا للأقباط، فرد عليه البابا (يا ولدى أن الأقباط والمسلمين منذ أقدم العصور يعيشون جنبا إلى جنب،فى البيت الواحد يتعايشون معا، وفى غرفة واحدة يأكلون من أرض طيبة واحدة، ويشربون من نيل واحد، ويتلاحمون معا فى كل ظروف الحياة، فى السراء والضراء، ولن يستطيعوا أن يستغنوا بعضهم عن البعض، ولن نطلب نحن الأقباط حماية إلا من الله ومن عرش مصر).
وبالطبع لم تقتصر الوطنية على الآباء البطاركة فقط، بل امتدت أيضا إلى الكهنة وسائر أفراد الشعب، ففى كنيسة السيدة العذراء المغيثة بحارة الروم، وأثناء ثورة 1919، كان يخدم الكنيسة كاهن تقى ورع يدعى «القمص بولس غبريال»، وحدث أن منعت سلطات الاحتلال البريطانى الثوار من التجمع بجامع الأزهر الشريف، ففتح لهم القمص بولس غبريال صحن الكنيسة لتكون منبرا للحركات الوطنية. كما قام نجله «القمص غبريال بولس» بتهنئة قادة ثورة يوليو، ودعا جميع قادة الثورة لحضور حفل عيد النيروز فى الكنيسة الأثرية بحارة الروم، وحضره كل من الرؤساء محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات.
وبالطبع لا يمكن ان نتكلم عن الدور الوطنى للكنيسة القبطية ونغفل الدور الكبير الذى لعبه قداسة البابا الراحل شنودة الثالث (1971 ـ 2012). والحقيقة أن جهود قداسته فى هذا المجال تحتاج إلى سلسلة مقالات، ويكفى هنا أن نتذكر قوله المأثور الذى صار أنشودة خالدة (مصر ليست وطنا نعيش فيه، ولكنه وطن يعيش فينا) ولقد جاءت هذه العبارة فى الخطاب الذى ألقاه قداسته أمام الرئيس الراحل محمد أنور السادات أثناء زيارته للكاتدرائية المرقسية بالعباسية لوضع حجر الأساس لمستشفى مارمرقس فى 11 أكتوبر 1977، وفى نفس هذا الخطاب قال قداسته أيضا عن مصر (مصر هى أغنيتنا الحلوة ومصر هى وطننا المبارك الذى قال عنه الكتاب عن بعض البلاد كجنة الله كأرض مصر. إننا نصلى من أجل مصر باستمرار فى صلواتنا الخاصة وأيضا فى صلواتنا الكنسية لأن الكنيسة تعلمنا باستمرار أن نذكر رئيس الدولة فى كل قداس ونذكر أيضا العاملين معه). وعندما اندلعت حرب أكتوبر المجيدة فى عام 1973، قام قداسته بزيارة الجبهة المصرية وخاطب الجنود الرابضين على خط النار، ثم زار قداسته الأبطال الجرحى فى المسشتفيات العسكرية ـ مسلمين وأقباطا ـ وقدم لهم الهدايا التذكارية. ثم قدمت الكنيسة القبطية 100 ألف بطانية لوزارة الشئون الاجتماعية بالإضافة إلى 30 ألف جهاز نقل دم لوزارة الصحة.
كن في قلب الحدث... انقر هنا لتحميل شريط الأدوات الخاص بالموقع لتصلك الأخبار لحظة حدوثها
تابعونا على صفحتنا علي الفيسبوك
رابط دائم :