
نجيب محفوظ ودرس خصوصى فى علم الجنس
مقالات مختارة | بقلم : خالد منتصر
الاربعاء ٣٠ اغسطس ٢٠١٧
عين الأديب الفنان مختلفة ومتفردة ومتميزة عن عيون كل البشر، فهى ليست مجرد قرنية تمرر الصورة وعدسة تركزها وشبكية تستقبلها على فيلمها الحساس، ثم ترسلها إلى المخ للترجمة، عين الفنان تنفذ إلى الروح وتخترق ما وراء المشهد، عين لها أجنحة شفافة تزيل الركام والصدأ وتنفذ إلى النواة والجوهر مباشرة. نجيب محفوظ هذا الهادئ الباسم المنضبط كساعة بيج بن، كان يمتلك تلك العين، لذلك أصبح نجيب محفوظ العبقرى الذى لا تتخيل وأنت جالس معه على مقهى الفيشاوى مستغرقاً فى الحوار، أنه ينفذ بأشعة إكس عابراً رواد المقهى وعابرى السبيل وحتى البلطجية وبائعات الهوى، لم أتخيل وأنا أدرس علم السكسولوجى فى قصر العينى على يد د.سعيد عبدالعظيم من وجهة نظر الطب النفسى، وعلى يد د.شوقى الحجار من زاوية الأمراض العضوية الجنسية، لم أتخيل أننى سأكتشف رواية «السراب»، وأعيد قراءتها بعين مختلفة، وأكتشف أيضاً أن هذا العبقرى الساحر استطاع فى عام 1948 أن يشرح نظريات فى علم السكسولوجى بمهارة ورؤية لا تقل وضوحاً ونفاذاً عن رواد علم الجنس، مثل ماستر وجونسون وكينزى وكابلان وقدمها وتناولها قبلهم بأكثر من ربع قرن. الضعف الجنسى الذى أصاب كامل رؤبة لاظ ليلة الدخلة والاضطراب الذى عصره كثعبان الأناكوندا ليلة زفافه، هو نموذج يُدرس فى جامعات العالم لمشاعر وأحاسيس العريس العاجز جنسياً، كيف استطاع نجيب محفوظ أن يتخلص من زخارف الكتابة الروائية المملة الثقيلة وقتها، وأن يصنع لنا تلك الجوهرة الروائية بتلك البساطة الآسرة، اقرأوا هذا الاقتباس على لسان كامل رؤبة لاظ، ثم أكملوا قراءة باقى المشهد من الرواية لكى تكتشفوا أنه كان يستحق مائة نوبل، يقول «كامل»: «إننى فى حلم سعيد، ولكن الخوف لا يزايلنى واليأس يثير فى وجهى غباراً، وكيف لى بالنجاة وجسمى ميت لا حياة فيه؟ وأحرق جفاف الخوف حلقى، ووقفت حيال عجزى ويأسى حائراً أتساءل: أى شيطان أغرانى بالزواج؟ ألم يكن عذاب الحسرة القديم خيراً من هذا العذاب؟ كيف خاننى جسمى؟ وإلام يدوم هذا اليأس؟!!»، كيف وصل «كامل» إلى نقطة اللاعودة الجنسية، وكيف خانه جسده اللاهث وسُدت أمامه منافذ النشوة برغم الشبق والشوق إلى جسد زوجته «رباب» التى يحبها ويعشقها؟! إنها الأم، إنها عقدة أوديب.